نزعةٌ ماديَّة.. وثوبٌ إسلاميّ!

تمكَّنَت الماديَّة من أشخاصٍ حتَّى أصبحت سمعهم الذي يسمعون به, وبصرهم الذي يبصرون به, ويدهم التي يبطشون بها, وقدمهم التي يمشون بها, باعوا أنفسهم ودينهم ومشاعرهم وأهليهم بعرضٍ من الدنيا, وباعوا إنسانيتهم بطينٍ زائل!

بـ”المادة وحدها يفسّرون الكون والمعرفة والسُّلوك, فهم يعتبرون أنَّ الأوضاعَ الماديَّة هي الأساس الذي تنشأ عليه الأوضاعُ والأفكارُ الاجتماعيّة والسياسيّة” (1), وكما يتفاوت الناس في استخدامهم لعقولهم ومشاعرهم فإنهم يتفاوتون في الإيمان بالمرئي أو ما وراء المرئي.
والماديَّة هنا ليست عكس المعنوية (الجاه والسلطة والرفعة, أو الحقوق الفكرية, والأدبية…)..

إنما المادية روح تسعى داخل الفرد أو الأمة, تجعله يربط ويقيس ويستفيد من كل شيء حوله, للوصول إلى المادة, وتحقيقها, سواء كان ما حوله ماديًا أو معنويًا, شعبويًا أو سلطويًا, نخبويًا أو جمهوريًا!

والإنسان يتكوَّن شعوره بالمادة منذ الصغر, فهو يدخل أوّل ما يدخل إلى “عالم الأشياء عند الولادة يتحسس ما يحيط به؛ ابتداءً من أمّه وصولًا إلى ما تصل إليه يديه, ثمّ ينطلق ليكتشف الأشياء من حوله.
وتبدأ بعد ذلك مادة الشعور في النمو، فيدخل الإنسان عالم الأشخاص عندما يرتبط الطفل بأمّه وأبيه وإخوته فتقوى عاطفة البنوّة والأخوّة والأبوّة والصداقة.. ثمّ يدخل عالم الأفكار حين يتوغّل في مراحل تحصيل المعرفة ويديم القراءة ويوغل في تلقي العلم، وهذا التدرّج في 
 الانتقال من عالم إلى آخر ليس آليا وإنّما يكتسبه الإنسان بالتمرّس والتعلّم والتربية” (2).
وبالرغم من امتلاك البشر لهذه العوالم الثلاث إلا أن نسبة ارتباطهم بها متفاوتًا, بل إنَّ بعضهم ينظر للحياة أحيانًا عبر عالم واحد منها, والأسوأ حين تنظر الأمة إلى الحياة عبر عالم منها, فترتبط أمة بعالم الأشياء أو الأشخاص مهملة عالم الأفكار, وهو العالم الدائم, المتراكم.
***
وتؤثر تلك النَّزعة على فكر المرء كما تؤثر على أفعاله, فهي تتدخل في تقديره لـ”الشكل والمضمون”, وإن كان البعض يهتمون بالمضمون مهملين الشكل إلا أن كليهما لا يمكن الاستغناء عنهما, فهما كوجهي العملة, لا يمكن الاستغناء بأحدهما عن الآخر.
كما تؤثر على العلاقة بين “الكم والكيف”, فإن كان الله سبحانه فرض علينا كمًا محددًا من العبادات إلا أنها مشروطة الأداء بكيفية معينة, وهو ما جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يُرجع الأعرابي إلى صلاته قائلاً له: “ارجع فصلِّ؛ فإنَّك لم تُصلِّ بعدُ”!.
وصاحب النزعة المادية لا يعرف الخلاف, فرأيه دائمًا صواب, ليس لديه أي مانع أن يدوس بقدميه على أي (مخالف, أو غير مخالف) لن يفيده, ذنبه أنه اعترض طريقه!
ويمكن القول أنَّ العيش بمادية أقرب للإنسان الذي يعيش في السوق, فواحد يسعى لـ”صنع” بضاعة معينة, وآخر يسعى إلى “تكديس” تلك البضاعة, وثالث يسعى لـ”الاستهلاك”, وثلاثتهم لا يخضعون لأي قيد أو مبدأ أخلاقي. فأما مُصنِّع الفكرة أو طريقة التفكير الماديَّة, فهذا ما تناوله الكثيرون من قبل, أما ما أتناوله هنا فهو محاولة لإزالة الالتباس القائم حول مجموعة من الأفعال نظن فيها أن دوافعنا ليست مادية!
1.    تأثير الماديَّة على الأفعال:
  • التكديس (عبادة .. بنكهة مادية):
انتقد المفكر الإسلامي مالك بن نبي فكرة “التكديس”, التي أدت بمجتمعاتنا إلى مدنية مظهرية فارغة, لم يأت بها إلا نظرة أو طريقة تفكير مادية, إلا أني أرى أن الفكرة تمتد إلى زوايا وأركان أخرى, منها على سبيل المثال: العبادة, الفكر, والعلاقات بين الأفراد, والقوانين والأنظمة الحاكمة لهم, ويتعرض هذا المقال لبعضها.
فبالرغم من أنَّ العبادة غذاءٌ للروح؛ إلا أنَّ الماديَّة كثيرًا ما تكون سببًا في دفع الشخص إلى فعل المزيد منها, وفي الوقت نفسه, دفعه إلى المزيد من البعد عنها!
هناك من يحسب نفسه على أهل الدين والالتزام, تراه صوَّامٌ قوَّامٌ مُنفق, وحاجُّ معتمرٌ أيضًا, لكنَّه لا يأخذ من عبادته إلا الكدّ والنَّصَب, ولا يأخذ من إنفاقه إلا الفقر والتعب, يمنّ ويعرّف ويشيع بإنفاقه وعبادته, ذلك لأنه يتبّع أسلوب التكديس في العبادة, لا ينظر إلى مقصودها, فلا يحقق إلا ظاهرها, وربما ذلك الظاهر يكون سببًا في ضياع المقصود.
فالحج والعمرة من الوسائل التعبدية لحفظ الدين, وفق المشهور من مقاصد الشريعة, ولكن أليس تزويج أو كفالة اليتامى فيها حفظ للدين والعرض؟, أليس في انتشار الزنا تدميرٌ لعددٍ من مقاصد الشريعة؟ فلماذا يقدّم البعض حجته أو عمرته على مساعدة الآخرين, لولا أنه فقد المعنى الحقيقي لعبادته, وشغل عنه بتكديسها!
  • مشاعر مادية!
حتَّى أنَّ تلك النَّزعة الماديَّة, لها تأثيرات قوية في عالم العلاقات والأشخاص, فتجد الشخص مثلاً لا يتعامل مع الناس كبشر, إنما كأدوات يجب أن تفكر بتفكيره, وتقول ما يقوله, وتفعل ما يفعله, الحياة لديه وجهٌ واحد, وجه المادة المهيمنة, وأي وجه آخر هو “الفشل”!
وناتج تلك النَّزعة أيضًا أنَّ الشخص المأخوذ بها قد يتّبعها في تكوينه الصداقات, فتجده يحرص فيها على الكم لا النوع. مُخطِئٌ من ظنّ أنّ الصّحاب بِالكثرة, فربّ صاحب صدّيق يعدِلُ عند الله جبل أحد!
قد يظنّ البعض أنَّ إيجابية مشاعره تجاه الآخرين إنَّما هي لصفاتهم, أفكارهم, وذواتهم, لكنهم بعد حين يكتشفون أنَّها كانت مبنيّة على انبهارٍ مرتبط بأفعالٍ ماديَّة, أو نقص يراه في نفسه, وكان أنَّه عندما زالت تلك الأفعال, زالت المشاعر الإيجابية, وبقت اللامبالاة, وعدم الاهتمام, وسعى إلى التكديس.
هذه النَّزعة تجعل الشخص ينظر للحب باعتباره شكلاً ماديًّا, مهملاً جانبه الشعوري, أو متغافلاً عنه, فإن غاب الشكل المادي عنه, غاب عنه الشعور بالحب, يرى أنَّ الفرح يكمن في هيئة معينة, حتَّى أنَّه حين امتلك كل مقوماته وغابت الهيئة, غابت الفرحة عن قلبه.
إنَّ الحب والفرح شعورٌ يملأ القلب, فتظهر آثاره على الوجه والجسد, ليظهر من يشعر به كالقمر الدريّ, وتضييق باب فهمهما, بل وحشره في هيئة معيَّنَة, أو مظهرٍ معيَّن, يقلّل من فرص الحصول عليهما.
  • بين المادية والاستهلاك:
وليس كل أهل المادة على حال واحدة, فبعضهم جل استمتاعه أن يصبغ العالم بفكرته, أو أن يطاوعه كل شيء فيه, يحب كلمات الزيادة, والثقل, والثروة, يسعى إلى “التكديس”!
أما البعض الآخر, فهو يرى العالم كقطعة مادية كبيرة, ككعكة قابلة للالتهام, تستحق أن يستمتع بها, فهو يقطف من كل ما يقابله, ويتذوق كل ما يشتهيه, مبدأه الأول في الحياة “الاستهلاك”!
وإن كان هدف الأول ومتعته في “الجمع والتكديس”, فهدف الثاني ومتعته في “استهلاك” ما جمعه الأول, ولكنه استهلاك غير مربح لأيهما, استهلاك دون مقابل.
ربما يجمع الشخص بداخله كلا الشخصيتين, ولكن ربما تتغلب إحداهما على الأخرى, وربما تجد كل شخصية منفصلة في الحياة, ولكنها متصلة مع الأخرى في مبدئها؛ الماديَّة.
وقد يظهر هذا النموذج في أب وابنه, الأب مهووسٌ بـ”الجمع والتكديس”, والابن الذي وُلِدَ فوجد ملعقة ذهب تجده مهووسًا بالبعثرة والإنفاق والاستمتاع بكل ما يعرف من مباحات وغير مباحات.
وما قيل عن الساعي للتكديس يمكن أن يقال عن المستهلك, فوسيلة البناء تتمتع بندرة تجعل المقبل عليها مجبرًا على الاختيار, فإما أن يستخدمها في البناء, أو التكديس, أو أن يستهلكها لمرة واحدة!
ربما هذان الشخصان, تجدهما دائمًا في صدام, لاتحاد النظرة, فهما كالأقطاب المغناطيسية المتشابهة, يتنافران لحمل كل منهما شحنة عالية من الماديَّة, ولكنهما مختلفان في آلية تطبيقها, فيزيد التنافر بينهما, فسلوك الجمع يختلف كثيرًا – بالتأكيد – عن سلوك البعثرة, وعلى الرغم من ذلك فإن الشخص المصاب بأيّهما غالبًا ما يكون مصابًا بالأخرى, فهما يجتمعان في الشخص ليس على سبيل التوالي, إنما على سبيل التوازي.
وإن كان كلاهما في عالم البشر يعدا من البالغين إلا أنَّ كليهما ما زالا يعيش جزءًا منهما في مرحلة الطفولة.
  • نهضة مظهريَّة!:
ومن المصائب المهلكة, أن يصاب بذلك الداء أهل الفكر والبناء, فتجدهم يقيسون تقدمهم بالإنجاز المادي, وإن كان مفيدًا في القياس, إلا أنه ليس دائمًا هو دليل النجاح, يسعون لـ”تكديس الفعاليات”, ولا يدركون أن الأصل هو “الفاعلية والإنجاز”, وأن ما من نهضة قامت على التكديس, بل إنَّ النهضة التي تُبنى على أكوام الأعمال والفعاليات غير الفاعلة أو المنجزة, تتحول مع الوقت إلى أكوام من الذكريات, التي يُمكن أن تتحول بسهولة إلى رماد, تذُرّها الرياح ذرًّا!
وقد ارتحلت الكثير من الأعمال المرتبطة بالفكر عن مكانها, فأصبحت القراءة – على سبيل المثال – تكديسٌ لمعارف غير مترابطة, بل أحيانًا يصبح الكتاب نفسه وسيلة التكديس لمن يشترون الكتب إشباعًا لرغبة تملكها, دون قراءتها!
حتَّى أنَّ المصاب بذلك الداء, حين يسعى – موهومًا – للبناء, يسعى إلى السيطرة على الجزء الأكبر من العالم!, وكأنَّ العالم كعكة للاقتسام, وهو في سعيه هذا لا يفيد وطنه ولا أمته, فهو يتمدد في الأسواق, ويضم صناعات, ولكنه لا يسعى لإبداع صناعة جديدة, أو سد فجوة أو حاجة عامة, وإن سعى إلى ذلك, فلا يكون هدفه إلا أن يساعده على التملك ليس البناء, وفي النهضة تؤثر النية والمقصود مع الأيام والأعوام, أَمَا سمعت عن أثر الفراشة!
  • ثورة مادية!
ومما يُضيِّع مجهود البشر في الثورات, تدخّل بعض الأفراد ممن يحملون “فيروس النَّزعة الماديَّة” فيها, فيأخذون الثورة إلى غير ما قصدت, ويحولونها إلى وسيلة ربح لا أكثر.
إنَّ للثورة وسائل ماديَّة قد تشترك مع غيرها في الهيئة, ولكن قبل ذلك فإنَّ لها فكرًا يمكن أن نطلق عليه “القصد الثوري”, ووجوده في تلك الوسيلة فارقًا, فبينما يمكننا القول عن البعض أنهم قاموا بوسائل مادية ثورية, بقصد تفكيك مراكز قوى النظام وأفكاره وبناء كيان سياسي جديد وفق مبادئ وأفكار جامعة, يمكننا القول عن البعض الآخر أنهم سعوا – بتنفيذ الوسيلة الماديَّة الثورية نفسها أو بمشاركتهم فيها – إلى استخدامها كوسيلة ضغط سياسي على أحد الأطراف لتحقيق المزيد من المكاسب الماديَّة!
  • تدخين الماديَّة!
الحديث عن الماديَّة يُرهق النفس ويهلك العزم ويصنع المشكلات, فالنفس التي تدرك ما يدور حولها أشد ألمًا من تلك المغيَّبة, فـ”دقة الفهم للحياة يفسدها على صاحبها” كما قال الرافعي, أما كونه مهلك للعزم؛ فمعرفتك بطبيعة تفكير الآخرين قد تسلم نفسك إلى اليأس والإحباط, فإن نجوت من تدخين الماديَّة, لم تنجُ من التدخين السلبيّ لها, أما كونه يصنع المشكلات, فهو أنَّك بفهمك السابق لا بد أن تصطدم مع الكثيرين, إلا من رحم الله!
2.    التحرر من ربقة المادية:
لقد أدَّت ظاهرة “التكديس” إلى “التَّمَدُّنِ لا إلى الحضارة، وهذا التَّمَدُّن يمكن صناعتُه في لحظة معينة من الزمن، إذْ يكفي أن نرتدي ملابس غربية، ونظاراتٍ غالية، وهاتفًا نقَّالًا من نوع رفيع، ونتحدث بلغةِ غيرنا، ونحطم الرقم القياسي في التمدن!! لكن رغم كل ذلك سنظل نحمل في ذواتنا أفكارًا لا تحرك المجتمع، وعقلًا ضيقا لا يتعدى الأُفُق، ولا نبني الحضارة التي تصنع منتجاتها.
كما أنَّ المجتمع لا يأخذ توازنه إلا إذا تساوى فيه حَجْمُ الإنتاج وحجم “الاستهلاك“، ولن يتأَتَّى هذا إلا بعمليةِ تخطيطٍ دقيقة ومنهجية تحترم فيها مقاييس الاقتصاد الكلي، ذَلِكَ أنه كلما ارتفع حَجْمُ الاستهلاك إلى مستوًى لا يُمْكِنُ التحكم فيه، اتجه المجتمع نحو التبذير والفساد… ولن يتأتى ذلك أيضًا إلا بإحياء فعالية الفرد المسلم وإنماؤها”(3).
تُعلّمنا الأرض أن نهتم بالطين, وعيوننا على البذرة, نهتم به ناظرين إلى البرعم الصغير, حتَّى إذا كبر وصار ثمرة, قطفناها فرحين, مهملين الطين الذي حملها, ما بالنا في حياتنا لا نفعل ذلك, فنهتم بالطين ولا ننظر أو ننتظر الثمرة, فلا تخرج الثمرة, ولا نحفظ الطين!
خُلِق الإنسان من طينٍ أرضيٍّ, ونُفِخَت فيهِ روحٌ سماويَّة, فأصبحت حياته متأرجحة بين ثقلين, ثقل الطين, وخفَّة الروح, وهما كالمنطاد وجسده, إذا اعتلى الجسد الروح ظل المنطاد حبيس المادة, متثاقل إلى الأرض, لا يقوى على النهوض, أما إذا اعتلت غرفة الروح الجسد انطلقت به محلقة في فضاءات؛ من الحب, والعبادة, والبناء, والنهضة.

إلا أنها مع هذا الانطلاق تكون محكومة بأثقالٍ ماديَّة تربط كيانها بغلاف الأرض, ودنيا البشر, فإذا جاءت ساعة الانطلاق إلى سيدها تحللت من كل ما يمت إلى عالم المادة بشيء, وانطلقت تحلق نحوه دون توقف أو استدراك!
فاللهم حررنا من أغلال الماديَّة, وآونا إليك!

  1. معجم اللغة العربية المعاصر, من الشبكة.
  2. مقال “عالم الأفكار وعالم الأشخاص”, موقع إسلام ويب نقلاً عن  جريدة المصريون 21/7/2009م, بلا كاتب.
  3. المسلم في عالم الاقتصاد, مالك بن نبي, دار الفكر – دمشق – سورية.

نصف ثائر

منذ بدأت أحداث الثورة المباركة؛ يعترضني كل حين “ثائر”, يُعيد على مسامع الناس بطولاته, ويتغنَّى كل يومٍ بشجاعته وآلائه, فلا يقول إلا “في الثورة كنا..”, “ثورتنا كانت..”!

في حياته السابقة, كان يعيش نصف حياة, فهو في بيته نصف أب, ونصف زوج, ونصف ابن, وهو في عمله نصف موظف, ونصف صاحب حق, وهو في الشارع نصف سائر, ونصف طالب حق, وهو في عبادته نصف عابد, باختصار فإنه في حياته كان “نصف إنسان”, “يحمل روح الهزيمة بين جوانحه, عاش حياته دائمًا في منحدر المدينة, إذ هو دائمًا في منتصف طريق وفي منتصف فكرة وفي منتصف تطور, لا يعرف كيف يصل إلى هدف, هو ليس (نقطة الانطلاق) في التاريخ كرجل الفطرة, ولا (نقطة الانتهاء) كرجل الحضارة, بل هو (نقطة التعليق) في التطور والتاريخ وفي الحضارة”.[1]
ربما “إنسان النصف” هذا ليس من أصحاب “المناطق الرماديَّة” قلبًا, هو يعرف الأبيض من الأسود ويعتقده أحيانًا, ويعرف أيضًا الألوان البينية, لكنه تربى حياته كلها على أن يكون نصف, حتى أنه حين خرج إلى الثورة لم يخرج كإنسان نهضة تحركه فكرة, يسعى للتحرر من الاستبداد الداخلي والخارجي, بل كنصف ثائر تحركه العاطفة, بنصف جهد, أو نصف رغبة!
مضى حياته, يفعل الخير, لكنه لا يحب أن يحسب على أهله, يفعل الشر, ولا يحب أن يحسب على أهله أيضًا. حضر حروبًا كثيرة, خرج الجميع منها بإصابات يد, أو قدم, أو تعدى الأمر إلى الموت, وخرج هو منها سليم الجسد, مصابًا في قلبه, مريضه!
تكاد تراه في الطريق, لا في الجانب المشمس ولا المظلم, بل يمشي بينهما, من كثرة ما عاش حياته بين بين, بين الخير والشر, بين القسوة والحب, بين العنف واللين, بل ربما موقفه الواحد يجمع كل أولئك!
هو ليس من أولئك الذين قال تعالى عنهم: “لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء“ [2], فهو عند قضايا الاعتقاد, يُبطن مثلما يظهر, ولكنه عند تطبيقه لما يعتقد, فإنه يعود إلى البين بين, كيف يظهره وأين!
نصحه أحدهم أنَّه “لا يصلح في هذه الدنيا أن تكون نصف طيب ونصف شرير, نصف وطني ونصف خائن, نصف شجاع ونصف جبان, نصف مؤمن ونصف عاشق” [3], دائمًا في منتصف شيءٍ ما.. لكنه لم يهتم إلا بنصف الحقيقة, أن قال له: “صدقت”, وظل على حاله!
عندما اعترض طريقه داعي الثورة, مرَّ برأسه خاطر الخروج, ولكنه لم يفعل, ولم يزد على أن سكن, وليس كل سكون خير, فإنَّ السكون أنواع, سكونٌ يُخفي تفكير وتفاعلات, واضطرابات وصراعات, أو ربما هو سكون الأموات, فليس كل سكون عنصر في الإنتاج!
لكنه في النهاية خرج, خرج بعد أن اهتزَّت نفسه من نداءات “ارحل”, و”الشعب يريد”, كلمات لم يسمعها يومًا, ولم يكن يتوقع, تعاطف مع الجموع, حركته العاطفة, كما حركه إحساسه أنه بات وحيدًا.
خَرَجَ إلى الثورة متأثرًا, مثلت تلك اللحظات انتباهه من غفلته, فقدَّم واستقدم غيره, تشجَّعَ وشجَّعَ غيره, أعان وطلب, تظاهر وغضب, وحينما صارت المواجهة, واقترب الموت, تراجع, وعاد إلى النصف!
كان يُعشّم نفسه بالجهاد وهو في بيته, وعند المواجهة, ارتعدت فرائصه, واختار لنفسه وظيفة مساعدة, تبتعد به عن خط الحجارة, ومرمى النار.. كان توليه مُقنَّع, كان في ذلك اليوم نصف مجاهد!
إلا أنه عندما مرَّت عليه قذيفة الصوت, ورصاصة المطاط, وقنبلة الدخان؛ حَسِبَ أنَّ الثورة من صُنع نفسه, ونسي فضل الله, وتلك الدماء التي أُريقت من أجلها!
وبعد نصف مشاركته في الثورة, حسب أنَّها وشعوره سيدوما دون أن يداوم, أنه سيظل في روحها يحيا رغم عودته حياته, رغم عودته وكثير من التفاصيل ما زالت كما هي, ونسى أنَّه لم يشارك إلا في نصف ثورة, ففعل الثورة الذي شارك فيه كان على النظام, كان على الأشخاص, ولكنَّ ثورته ما انتهت, بل باقية ببقاء الأفكار والقيم السابقة؛ قيم الظلم, والاستبداد, والفساد, والسلبية, والجهل, والغباء التي عززت للاستبداد وجوده.
كان يقول: “ثم انقضت تلك السنون وأهلها.. فكأنها وكأنهم أحلام”, لكن هيهات هيهات, هيهات لمن عاش طوال عمره في المنتصف أن يتخذ اليوم ركنًا قويًّا, اللهم إلا أن يصبح “ثائرًا” دائمًا, ثائرًا يرفض أن يكون قابلاً للاستعمار, قابلاً للاستعباد.
إلا أنَّه عند العودة, وعندما قابل أهله وحاشيته, استقبلوه استقبال الفاتحين, وحملوه على أعناق المجد والرفعة, ظنوا به خيرًا, وظنوا أنه “ثائر”, ومن مصائب القدر أنه ظن ذلك!
يشبه فيما وصل إليه, وما يحاول جر الثورة له حال (رجل المدينة) – حسب تعبير ابن نبي – فرجل المدينة “يصدق عليه وصفان: (رجل القلة) و(رجل النصف) الذي دخل في ميدان فكرة هي الإصلاح, فمسخها (نصف فكرة) وأطلق عليها اسم (السياسة), لأنه لم يكن مستعدًا إلا لنصف جهد ونصف اجتهاد ونصف طريق”.[4]
وما زال صاحبنا يعيش على تلك الأمجاد, ويصيح كل يوم أنْ اسمعوا يا ناس, فإنني كنت للحق “ثائر”, يشتري بثورته مجده!
وإنه على حالته تلك, يتحدث باسم شهداء ما منّوا بما قدَّموا, وثوار كَمُلَ فعلهم, وسارَ (هو) بينهم, حُمِلَ على أعناقهم, فظهرت رأسه فوقهم, وللحق؛ ما هو بثائر, بل ما هو إلا “نصف ثائر”!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] واحة الغروب, بهاء طاهر.

[2] النساء : 143.

[3] شروط النهضة, مالك بن نبي.

[4] المصدر السابق.

مفتاح العودة.. الخريطة ليست هي الدار!

عندما طُرد أهالي المناطق المنكوبة عام 48 من بيوتهم, حملت كل واحدة من الأمهات “مفتاح” دارها, بعد أن أغلقت نوافذه, وغطَّت ما تبقَّى من طَحِينٍ, وحَمَلَت بعض ما “يقوّتها” وأبناءها من جبنٍ وزيتِ زيتونٍ وبعض الزَّعتر, وعلى الرّغم من قلّة ما حملته تلك الأمهات من متاعهنَّ, وأثاثهنَّ, ظنًا منهنَّ أنها حالة مؤقتة؛ غارة حربٍ وتنتهي, حلمٌ مزعجٌ يستيقظن منه سريعًا, إلا أنهنَّ بعد سنوات, اكتشفنَ أنهنَّ جميعًا قُمْنَ بالشيء نفسه, تركنَ بعض الملابس على أحبال أسطح بيوتهنَّ, وحملن مفتاح الدار بعد أن أغلقنه جيدًا, ورحلن!

في البداية حمل مفتاح دارنا “معنًى عمليًّا”، حيث اعتقدنا أنَّ غيابنا لن يطول, وأننا سنعود إلى بيوتنا، ثم اتضحت قضية الاقتلاع، فانتقل المفتاح من مفهوم الاستخدام “العملي المباشر” إلى “المعنى الرمزي”, وكانت تلك البداية.

بداية “رمزيَّة” المفتاح, حيث تحوَّل من مجرد “شيءٍ” إلى “رمزٍ” يرتبط بـ”العودة”, وأصبح الخيط المربوط به المفتاح, المعلّق في رقاب الأمهات، جزءًا من أجسادهنَّ, وحياتهنَّ, وأصبح مكان المفتاح في الباب حلم كل ليلة, أن يعدن إلى بيوتهنّ, وحُلمي!
وتحوُّل “المفتاح” إلى “رمزٍ” للعودة لم يكن بالنسبة لنا – نحن المهجَّرين – فقط, بل لكل الفلسطينيين، وأخذ معنى القداسة, كناية عن التمسك الشديد بالعودة في ظل الاستهداف الدائم والمستمر لهذا الحق.
ثم تحوَّل “المفتاح” إلى “فكرة”؛ فكرة العودة, ودليلٌ وسندُ الملكية الوحيد لـ”دارنا”, أو “دكان” والدي المليء بالزيوت, وأرض زيتونيَّة كنا نقصدها كل صباح, أصبح ذلك المفتاح هو الشاهد الحيُّ على حقِّنا في العودة إلى ديارنا, وعلى الرغم من علم كثير منَّا أنَّ ما تركناه ربَّما لم يعد له وجود الدار، والأرض تغيرت معالمهما، إلا أنهم يعتبرون – وأعتبر – أنَّ التفريط في هذا المفتاح تفريطٌ في الوطن، ويوم العودة قادمٌ لا محالة!
لم يتحوَّل المفتاح يومًا إلى “مبكى”.. لم يتحول إلى رمزٍ مثيرٍ للحزن والشفقة؛ إنَّما أصبح دافعًا لَحوحًا مؤلمًا, جعل أبي يُصرُّ على العودة إلى قريتنا بعد تهجيرنا عنوةً في جُنح الليل دون ترتيب, وإحاطة القرية بأسلاكٍ شائكةٍ وأبراج مراقبة, ليجمع بعض المتاع, ويغلق باب البيت, ويحضر المفتاح!
كثيرون غيرُه, خاطروا وحاولوا زيارة قريتنا وغيرها, لمشاهدة بيوتهم أو “أطلالها”, ولو على سبيل السياحة! يصطحبون أبناءهم, أو أحفادهم, ليعرّفوهم, ويفهّموهم حقوقهم, وحدود بيوتهم وأراضيهم, ليطلعوهم على معالمها، حتى يكونوا على دراية بها حين عودتهم.
إلا أنَّ المفتاح, “مفتاح العودة”, لم يَثبُت على ذلك, ولم يكتف بما قدم, فقد اتَّخذ شكل السلاح؛ كي لا ينسى الجميع أنَّ طريق الوصول إلى قراهم وبلادهم لن يكون إلا بالمقاومة, فمن يملك ذلك المفتاح إنَّما يملك ثلاثة أشياء، هي: “المكان” الذي سيعود إليه، و”الرغبة” في العودة لهذا المكان، و”التأكيد” على حق العودة لهذا المكان, مهما كانت التضحية!
حتى إنَّ مواليد ما بعد النكبة, مثلي, أولئك الذين لم يروْا يومًا بيوت آبائهم رأَوْا “مفاتيحها”, مشفوعةً بكثيرٍ من الحكايات عن بيوتهم التي هُجِّروا منها, أو بمعنى أدق: “طُردوا أو اقتُلعوا منها”, ومُنِعُوا من العودة إليها.. مُنِعُوا من العودة إلى شجر التين في فناء البيت, ورائحة البحر فوق سطحه.. مُنعوا من أيام جمع الزيتون, وأيام عصره, ليتذكروا دائمًا أراضيهم التي سرقها اليهود، وحديث أجدادهم عن حياتهم وزراعتهم، وشكل بيوتهم وبواباتها, وذلك الطريق الطويل المُنتهي إلى ربوةٍ مُرتفعة, تُشرف عليها قبور القرية, أصول قريتنا البعيدة, التي تمتد إلى أزمانٍ سحيقة في التاريخ, تلك القبور لأولئك العظماء أجدادي, لم يعد لها وجود, نبشوها.. هدموها.. جرفوها!
يتمنى من بقيَ حيًّا من أجدادي, وكل من يحيا اليوم من ذلك الجيل جَدّي, الذين خرجوا من تلك الديار أطفالًا؛ أن يعودوا إلى ديارهم، ولو كان يوم عودتهم هو آخر يومٍ في حياتهم, لديهم أمل أن يتحقق لهم الأمر أو لأبنائهم أو لأحفادهم, فأمل العودة موجود في نفوس كل اللاجئين.
أجدادي, وأنا, ونحن, كلنا نرفض أي مبادرات أو دعوات للتعويض، يتساءل الواحد منَّا قبل أن يُسأل: “عن ماذا سيعوضوننا؟ عن 60 سنة مهجَّرين من بلادنا! أم عن أراضينا التي ضاعت! أم عن إذلالنا وتدنيس كرامتنا؟!”, ثم نُجيب: “تعويضنا الوحيد الذي نقبل به هو عودتنا إلى بلادنا الأصلية، حتى لو اضطررنا للعيش هناك في العراء أو المغاور”.
غداة النكبة، قال القادة الصهاينة يومها “عنّا”؛ عن الفلسطينيين: “الكبار سيموتون، والصغار سوف ينسون”. وها هي النكبة تدخل عامها الثالث والستين، وإذا كان الكثيرون من الكبار قد ماتوا، فإنَّ أجيال الصغار، جيلًا بعد جيل، لم تنس، ولن تنسى. إنَّ النكبة ذاكرة شعب، ذاكرة وطن، لا تقوى الأيام على إطفاء شعلتها، مهما اشتدت أعاصير التحديات، وطال الزمن. ولا يزال مفتاح الدار التي سُلبت ذات يوم، إرثًا تتناقله الأجيال، وأمانة في الأعناق.
وما زالت أمي تحتفظ -وكثير مثلُها- بمفاتيح بيوتهم التي أحضروها معهم عام النكبة، فيما سلّم من وافاهم الأجل هذا “الكنز” -كما نُسمّيه- إلى أبنائهم وأحفادهم, تَضع الجدة السبعينية حول رقبة حفيدتها سلسلة فيها مفتاح دارها (الجدة وحفيدتها), وتقول لبنِيها: “ديروا بالكم على المفتاح.. ديروا بالكم على دارنا!”.
ـــــــــــــــــــــــــ
(*) بمناسبة الذكرى 63 للنكبة.

الدهشة المفقودة

«ومن العجيب أنّي حين وصلتُ إلى مكان خُلوتي, اكتشفتُ أنَّ الطريق إليه كان ممتعًا أكثر, كان مفيدًا أكثر, أو ربَّما نفد مني مخزون دهشتي في الطريق, قبل أن أصل, فأصبحتُ أنتقل من حالٍ إلى حال, ومن وجه إلى وجه, ومن قلبٍ إلى قلب, ومن فكرةٍ إلى أخرى, دون أيّ بادرة اندهاش»..

وبعد..

صديقي العزيز.. تعرف أنَّ الحياة لا يمكن أن نعيشها دون بعضِ الدهشة, وأنا.. انتهت لديَّ آخر شعلة منها منذ فترة طويلة, حقيقة.. لا أذكر متى, لكنها انتهت على أيّة حال.
أَتَذْكُر حين كنّا أطفالاً؟, كانت عيوننا تُضيء بوميضٍ مع خبرٍ أو معلومة جديدة, «كنا نندهش», ونندهش أكثر برؤية شخصٍ نحبه, حين يفاجئنا أحدهم بلعبة أو نزهة نتمناها, «كنا نندهش», وكانت دهشتنا أكبر حين نلتقي.
أبحثُ عن تلك «الدهشة المفقودة», فهي قوة الخبر, هي الفرق بين المتقابلين, هي الشعور بالحياة أو الموت, فما فائدة الحياة حين تختفي الحرارة منها, حين يتساوى فرحها وحزنها, سهلها وصعبها, حقها وضلالها!
أرأيتَ إن كنت طالبًا أو معلمًا, أحصّل العلوم أو أعلمها, أدرس المفاهيم وأشرحها, أنقح معلوماتي وأنقدها, أرأيت إن كنت لا أندهش تلك الدهشة الفلسفية التي يُقابلها الباحث حين تعرض لديه مسألة جديدة في أصلها, أو تتعارض مع ما يعرفه, أو تصل به لنتيجة لم يصل إليها قبله أحد, أتراني دون تلك الدهشة أستطيع أن أقابل ما أعرفه بما أطالعه, فيخرج من بينهما رأيًا خاصًا أحمله؟ لا أظن.

أسألُ وأنا المُجيب: “هل وصلت؟”, فيرجع إليَّ الصدى قائلاً: “لا”.

«الفلسفة بدايتها دهشة» كما قال أرسطو, لذلك فإنَّ الإنسان حين لا يشعر بالدهشة, فهو حتمًا لا يشعر بجهله لما يحب ويكره, لا يشعر بجهله المدقع لما يقرأ!
أتعرف.. إنَّ حالة الحب أولها دهشة, وأوسطها دهشة, فلولا شعور المُحب بأنَّ الكون بدأ الخروج عن المألوف حين التقى حبيبه, فسارت الدهشة في أوصاله واعترت جسده, وخرجت منه قشعريرة على حين غرة منه, لولا ذلك كله لما شعر بالحب, ولولا أنَّه كل يوم يعيد اكتشاف محبوبه, فيدهشه بجميل صفاته, وعظيم أخلاقه, وطيب عشرته, لما استمرَّ الحب.

يأتيني الصدى حاملاً صفعة قوية, مُجيبًا على سؤالٍ لم أسأله, قائلاً: “لا, لم تصل”, فلا أندهش.

ما الذي يمنع عني شعور الاندهاش؟, ربما لأنّي رأيتُ الشَّيءَ يحدث من قبل!, أو أنِّي أصبح لديّ القدرة على توقع الأمور, أو فقدت القدرة على تلقيها
هل اطَّلعت على الأمرِ في عالم الذر, أم لديَّ انفصالٌ بين فصّي مخي, أو تأخّرٌ في وصول المعلومات إلى واحدٍ عن الآخر, يجعل المشهد يظهر في أحدهما قبل الآخر بمدَّة كافيَة, فأعتقد أني رأيته من قبل, فلا أندهش!
أو ربَّما خبراتي في الحياة واسعة لذلك الحد, واسعة لدرجة أنِّي رأيتُ منها ما يُمكن أن أراهُ مُستقبلاً, ففقد الشيء الحادث قدرته على إدهاشي!
لا أظنُّ ما سبق, فلستُ أيوب في صبره, ولا أعلم أهل الأرض, فما الذي أطفأ شعلة الدهشة بداخلي!
صديقي.. إنَّ حالي لا يختلف عن حالِ كثيرين, ولكنهم ما زال لديهم بقايا إحساس بالألم أو بالفقدان، أمَّا أنا فقد يجتمع لديَّ الشيء وضده, أصبح كل شيء يعادل لا شيء, يستوي عندي «الحزن والفرح»، «السعادة والألم»، «الرضى واالسخط», كل شيء أصبح يشبه «اللاشيء»!
لا يُقلقني حقيقة غياب الدهشة عني, فهي عرضٌ لمرض, ومرضي أظنّ أنّي أعرفه, أعرفه لدرجة أصبَحَت أعراضه عليَّ لا تدهشني, وأصبَحْتُ أنتظر كل يوم منه ما يزيد غربتي!
ويبقى السؤال الوحيد الذي بتحققه تعود دهشتي؛ وهو: “متى أصل؟”.

ثورة.. على نور

جَاءَ يومُ 25 يناير, وأنا في حالة بحثٍ وتوترٍ وترقّبٍ واستعدادٍ لأيّ بادرة تغيير تلوح بالأفق, أبحث عن فكرة يمكن أنْ نجتمع حولها, وأفكر أحيانًا “كيف أصنعها؟”, أحاول أن أصنع واحدة فتفشل, وأخبر نفسي أنَّ الفكرة المُصنَّعة تختلف عن التلقائيَّة!, كنتُ أبحث عن شعورٍ يمكنني دعمه, والمشاركة فيه.. فالشعور هو أنسب الطرق وأفضلها لزراعة الأفكار, وإنتاجها.
كنتُ أتألَّم لأنَّنا أحيانًا كثيرة نُشغل أنفسنا بكلمات, ومصطلحات, وخطط, ونبحث عن الحلول في كل مكان, إلا داخل الإنسان, نُهمله, وكذلك كنت: مُهْمِلٌ مُهمَل!
كنتُ أُفكر أنَّه من العجيب أنَّ الثورة في تونس لم تتحرَّك من مصطلحاتٍ ومفاهيم وتوجيهات مفكرين – بالرغم من أهميتها – لكنها بدأت بـ”خطوة أولى” خطاها الشعب نحو التغيير..
كنتُ أرى أنَّ الثورة تحتاج خطوةٍ أولى, ربما تكون تافهة في نظرنا الآن, وربما ليست قوية كما نتوقع, لكنها مثل عود الاشتعال الذي يصغر عن الحريق الذي يسببه بنسبة كبيرة جدًا..
في الأيَّام الأولى للثورة دَعَت بعضُ الجماعاتِ والأحزاب والتَّكتَّلات والحركات الاجتماعيَّة إلى الخروج, فتواصل أعضاء كل منها وحددوا أماكن التجمع والانطلاق, وكذلك فعلتُ, وبدءنا ثورتنا, إلا أنَّ الكثيرين ممن لا ينتمون لأيّ مما سبق كان لهم نفس المُحرّك بل إنَّ قوته كانت أشد.
ربما اعتدتُ واعتاد غيري تلقي الصدمات مع الواقع, أو ربما كنا مصابين بحالة ترقب للواقع تطغى على حالة الإقدام المفترض, إلا أنَّ أولئك كان شعورهم بالانتماء طازجًا لم يعتريه عناء الصدام مع الواقع المؤلم حقيقة, فخرجوا في مظاهرات صغيرة, إلى أين؟ لا يعرفون, واستمر مسيرهم لساعات طويلة, ومسافة تصل لعشرات الأميال, وحين وصلوا إلى الميادين, لم تصل تلك المظاهرات الصغيرة, إنَّما وَصَلَت كمُظاهرات يبلغ تعدادها عشرات الألوف, اجتمعت مع غيرها لتكون ملايينًا.
***
كانت دائمًا ما تؤرقني الأسئلة, عن موضعنا في خريطة الثورة, إلى أين وصلنا؟ هل حققنا شيء؟ هل ما حققناه كافيًا؟ ماذا ينقصنا؟ ما الذي يمكن فعله؟, الأسئلة التي تعاظمت في الأيام الوسطى من الثورة, تحديدًا بعد الأربعاء الدامي (موقعة الجمل), ومما وجدته حينها أنَّ لكل “ثورة شعبية” في العصر الحديث قوانين أو شروط تُسهم في نجاحها, وسمعت أحد المفكرين يجمعها في ثلاثة, فـ”القانون الأول هو أنْ تتحول المطالب الشعبية للثورة من مطالب معيشية أو جزئية إلى مطالب جذرية راديكالية تطالب بالتغيير الكلي, أما الثاني فهو أن يتفتت النظام الحاكم وينقسم على نفسه, ويبدأ في التضحية ببعض أفراده”, وهذا ما وجدته في ثورتنا وما قرأتُ تحققه في تلك الأيام, إلا أني كنت أعيش أملاً أن يتحقق القانون الثالث كمتمم للقانونين السابقين وهو أن يقف الجيش على الحياد من الثورة, أو بمعنى أدق أن تخون القيادة العسكرية القيادة السياسية, ولا تنفذ تعليماتها مما يؤدي بها إلى الاستقالة والهرب”, وهذا ما تحقَّق بشكلٍ أو بآخر في كل من ثورتي تونس ومصر.
كنتُ أخشى أن أفقد ويفقد الناس الصبر, أن تخبو روح الثورة, ولكن هذا لم يحدث – بفضل الله – حيث غطَّت مصر أثناء الثورة صورٌ لأناسٍ وُضِعَت عليها سواد حداد, وحين تسأل “لمن هذه الصور؟” تعرف أنَّها صور بعض شهداء الثورة, يحملها ذويهم, وآخرين عنهم. ثم تسأل “ما هذا على محياهم؟”, فتعرف أنّه “الصَّبر والثَّبات”, يحمل الرجل منهم أو المرأة صورة شهيدَهُ ثم يقول: “وإنَّا على قلوبِهِم قاعدون, حتَّى يَرحلوا عن أرضنا!”, كانت تلك الصور تشعل القلوب إذا خبت, والجراح إذا التأمت, وتُذكرنا بتساؤلاتٍ أُثيرت إبَّان الحرب على قطاع غزة, تلك الحرب التي ووجهت فيها ترسانة دولة, بصواريخ فصيلٍ محدودة, كنّا نتساءل “ما هذا الصبر الذي يظهر على محيّا أهالي القطاع وكلماتهم وأفعالهم, من أين يستقونه؟ وبم يسقونه؟” ووجدنا الإجابة في الثورة؛ أنَّ الدماء هي وقود الثورة, وكلما زادت تلك الدماء زادت قوة الحناجر, وارتفع سقف المطالب, وثبتت الأرض من تحت أقدام المجاهد, بل يُمكننا القول أنَّ الدماء الخالصة, هي “صانعة الثورة”!
لم يُغير الناس النظام وتنجح ثورتهم إلا بتغييرهم لأتفسهم, وصلاتهم, ودعائهم, كنَّا ندعوا في الثورة “اللهم أهلك الظالمين, اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك, اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم…” ثم نؤمّن بعمل أيدينا, وحينها فقط, تذكرت دعوات سابقة, كنت وكان الناس فيها يؤمنون خلف إمام, ثم يذهب كل منهم في طريقه غير عابئ أيقبل الله؟! أيستجيب؟! هل فعل ما عليه؟! هل قام بالأسباب؟!.. لا يهتم!!
وحينها تذكرتُ ما كتبته مستحثًّا غيري على العمل بما هو أهل له, وانتقادي الشعب المصري الذي يقول كثيرًا, ولا يعمل إلا قليلاً, تذكرتُ ذلك وأنا أرى الرجل والمرأة يخرجون في مسيرات تطوف أرجاء المدينة أو المحافظة دون كللٍ أو ملل, الشاب والفتاة كانوا في المقدمة, كانوا يستحثّون البقيَّة, حتى الأطفال شاركوا, وهتفوا, وضُربوا, وسقطوا!
نعم, شارك أبناء الجيل السابق في الثورة كما الشعب, إلا أنهم كانوا يطالعونا بابتسامةٍ باكية, ثم يقولون: “يا شباب, والله أنتم أفضل منا, تمسكوا بحقكم, ولا تفعلوا كما فعلنا من قبل, فقد ضيعنا حقوقنا, وحقوقكم.. سامحونا”, وكنتُ أتمنَّى حينها وبعدها أنْ أستمع إلى هذه الكلمة ممن أعرف من أبناء هذا الجيل, أو أن يقول هذا الذي قال لنا تلك الكلمات لخاصته, فنفتح أبواب الحوار بين جيلنا وسابقه واللاحق عليه, ولكن الاعترافات تكون دائمًا أسهل للمجهول!
***
أكدت الثورة بعض الأمور, منها ما كنت أعتقده سابقًا أننا ليس بيننا – كمصريين – ما يسمى “فتنة طائفية”, وذلك لما رأيته من تلاحمٍ بين أبناء الوطن, حيث أني لم أصدق يومًا أنَّ المواطن المصري يحمل ضغينة لأخيه, فلا المسلم يكره النصراني ولا هو يكرهه, ولكن هناك من يتلاعب بهما, وهما باستسلامهما له تزداد الفجوة بينهما.
وقد فضحت الثورة أيضًا كثيرين.. كوسائل الإعلام ومُدّعي الفكر الذين أساءوا للشعب المصري, ولكل الشعوب العربية, فأوهمتهم بسوء أنفسهم خلقة, وسلبيتهم طبيعة, وأظهرت كل سيء مشين في أفعالهم, ودارَت وخبَّأت كل حسن جميل! فبين ملايين ثلاثة أو أربعة أو خمسة لم تخرج حالة تحرش واحدة, أو تعدي على نصراني, أو اعتداء بلفظ خارج أو فعل من الثوار على بعضهم, بالرغم من الاختلافات الكثيرة جدًا بينهم!
***
كثيرون قالوا أنهم حين تجولوا في ميدان التحرير أو في أرجاء الوطن, لمسوا تحولاً في المناقشات بين المواطنين, وفي بعض أفعالهم, وقد سمعت أمًّا تنتقد تصرفات أبنائها, وتقول لهم: “إنَّ أفعالكم لا تتناسب مع الثورة القائمة التي تدعمونها, أين هي أخلاق الثورة؟!”.
ربما كانت الثورة على مستوى مصر, لكن لم أرَ بعيني منها إلا ما كان في “دولة التحرير“, وهناك رأيتُ الفن المصري الحقيقي, حيث أنتجت الثورة تكوينات مادية وكلمية رائعة مختلفة, وهو ما برّره السفير عبد الله الأشعل في ندوة التثقيف السياسي التي عُقدت في الميدان, بقوله: “حين سيطر الاكتئاب على الشعب المصري ضاعت النكتة التي اشتهر بها، وفي ميدان التحرير بدأ عقله بالعمل حين شعر بالحرية فأنتج أفعال وشعارات رائعة”.
جاءت الثورة في واحد من أبرد الشهور على مصر, في البداية كنا نستدفئ بالتقارب والجلوس في مجموعات متداخلة, وإشعال الأخشاب والحطب, وحكايا الأنس وأغاني الليل والوطن, فلأوَّل مرة في حياتي أستمع للأغاني والقصائد الوطنية بشيء من الوطنية!, وما حدث ذلك إلا عندما خرجنا من أجل الوطن!, استمعت حينها لأغاني الشيخ إمام, وعبد الحليم حافظ, وشادية, وقصائد تميم البرغوثي, وعبد الرحمن يوسف, وغيرهم, وما زلت أذكر يوم أن التقينا أكثر من عشرين “مصريا” حول نار الثورة نستدفئ, وننشد أهازيجًا ومووايلاً نُتَعْتِع فيها أحيانًا, وتقرأنا هي بسهولة!
ففيما مضى كانت الأغاني الوطنية المصرية لا تذاع إلا مع مباريات كرة القدم, وعلم مصر لا يرتبط إلا بمباراة يلعبها المنتخب, ويختلف هذا الوضع عن اليوم, اليوم فقط أصبحت ألوان العلم مطبوعة على وجه كل مصري وفي قلبه, حتى أني في طريقي إلى الميدان للمشاركة في هذه الثورة, سمعت نقاشات بين بعض من يركبون معي السيارة, حيث قال أحدهم: “قبل يوم 25 يناير كنت أنوي الرحيل من هذا البلد, كنت سأغادر ألعن هذه البلد وما وصلت إليه. ولكن.. بعد هذا اليوم فإني أشعر أن انتمائي لهذا الوطن عاد, بل عاد بقوة, قوة تمنعني مغادرة وطني, قوة جعلتني أهتف: أنا مصري وأفتخر”.

بذرة الحرية تنبت في التحرير

على إحدى البوَّابات المسموح الدخول منها إلى “ميدان التحرير”, توقَّفَت عدد من الدبابات بعرض الطريق لتضييق المدخل, ووقَفَ عدد من جنودِ الجيش وضبّاطه على المنفذ لمطالعة الأوراق الثبوتيَّة لكلّ من يريد الدخول, بعدها تقف دروع بشريَّة تحمي الميدان طوال ساعات اليوم من الداخلين إليه بغرض الإفساد أو إثارة الشغب, وتفتيشهم والتأكّد من أنَّهم لا يَحملون أي أسلحة أو بطاقات شرطة والحزب الحاكم!
على جانبي الطريق, هناك تشريفة, للترحيب بالقادمين, وأخرى للمغادرين, تُغنِّي لهم مُرحِّبة, أو مُودِّعة على أملِ اللقاء, وفي الداخل يُطالعك “ميدان الشهداء” بثلاثة آلاف من الأمتار التي كان يقطنها في وقتٍ ما ملايين الثوَّار, يتعاقبون عليه صباح مساء, وفي كلّ يومٍ هناك زائرٌ جديد, وعالَمٌ يزداد انبهاره!
لم يتخيّل أيّ من المشاركين في الثورة أو النِّظام أنَّ دعوة أُطلقت في “عالمٍ افتراضيّ” ستصل إلى هذا الحد الواقعي في “العالم الحقيقي” في يومِها الأوَّل, لذا فقد جُوبِهَت في مَهْدِها بِقمعٍ وبَأسٍ شديدين, وهذه المواجهة بشكلٍ خاص ألهبَت مشاعر المُشاركين والمُتفرّجين, فزاد العدد, وطوال أسبوعٍ كاملٍ كانت متوالية القمع تتزايد, تَخفُت حينًا, لكنها ما تلبث إلا وتأتي بأشدّ مما رحلت به!
ويمكن القول أنَّ يوم 28 يناير هو اليوم الذي حدد لكل من شارك به أنه في تجربة جديدة, ليست مظاهرة عابرة هدفها بعض المطالب, إنما شعرنا حينها أننا أمام ثورة تأمر ويجب أن تطاع!, ورغم أننا كنا في موقف ظاهِرَهُ الضعف, إلا أنَّنا كنَّا على يقين أنَّنا على الطريق الصحيح, وأنَّنا منصورون لا ريب.
في ذلك اليوم خرجَ معنا أناس بالدفع, كانوا يستثقلون خروجهم, وبنهاية اليوم كانوا قد ندموا أشد الندم على استثقالهم الأول, فما كنَّا نعيشه حينها كانت الثورة بعينها, لذا فقد عزمنا جميعًا إكمالها حتى النهاية!
كانت قنابل الغاز المُسَيِّلة للدّموع تتساقط علينا كالمطر, وطلقات الرصاص المطَّاطيّ تتناثر على الأرصفة, وداخل أجساد عدد كبير من الثوار, بالإضافة إلى استقرار رصاصات حقيقيَّة داخل رؤوس وصدور الكثيرين, وعلى عكسِ مطلوبِ النِّظام فقد كانت إرادتنا تتزايد, تشتعل ولا تخبو!
لم يرحم الأمن في تعامله معنا صغير أو كبير, شيخ أو امرأة, وعلى العكس من ذلك فقد رأيت الثوار يصرخون حين يجد من يحاول الاعتداء على جندي أو شرطي سقط وتركه زملاؤه, كان الجميع يهتفون “أخونا.. أخونا..”, حتى أنَّ الكثيرين من رجال الجيش والشرطة انضموا لنا, هتفوا معنا, وشاركونا الضرب!
ثم تكوَّنت البذرة الأولى لـ”دولة الحريَّة” بـ”دولة التحرير”, ولكن.. لماذا “دولة التحرير”؟ لأنَّ أرضها تحرَّرت ببذلِ دم مئات الشهداء, وبضعة آلاف من المجروحين, وملايين من المعذَّبين ليل نهار, من آثار الفراق, والبرد, والحزن, والألم, والقلق!
“دولة التحرير”, لأنَّها احتوَت على مجموعة بشريَّة جمعتهم لغة واحدة, ثقافة واحدة, ووحدة هدف، ولكن.. ما هو الهدف؟, هذا ما يجيب عليه كل ساكن هناك بطريقته, إلا أنهم جميعًا يخبروك أنهم يرغبون في “تطهير الوطن”, ممّ؟ من براثن الفساد وأعوانه وقوّاده, جميعهم لديهم درجة من الوعي مرتفعة, بالرغم من اختلافهم الواضح في كل شيء في مناحي حياتهم.
كان فيهم الغنيّ والفقير, القارئ والأمي, المظلوم والمكلوم, الرجل والمرأة, المسلم والنصراني, الملتزم وغير الملتزم, المتزوج والعزب, القعيد والصحيح, الطفل والشاب والفتاة والرجل والمرأة والشيخ, الطبيب والمحامي والصحفي والمُعَلِّم والسباك والنجار والكهربائي…, هناك تجد من كل فئة فردًا أو مجموعة من الأفراد!
على حدود تلك الدولة, تكون آخر علاقتك باسمك ومُسمَّاكَ الوظيفي, وهو ما أظهرته الحوارات التي دارت بداخلها, فقد كان يمكنك الدخول في أيّ حديث مع أيّ شخص, سواء كان ماشيًا أو متكئًا أو نائمًا, فمفردات بطاقة كل واحد منهم معروفة للجميع:
الاسم: مصري.
السن: سنين أسوأ من عجاف يوسف.
تاريخ الميلاد: 25 يناير.
العنوان: ميدان الشهداء (التحرير سابقًا).
وقد قابلت الكثير, سألت أحدهم: “……….؟”, فأجاب: “سنوات طويلة من القهر والفساد, وحين خرجنا قوبلنا بدروعٍ بشريَّة من الأمن المركزي ومجنزراتٍ دهستنا, وكانت سحابة ضبابية من الغازات السامة الخانقة تلف بنا, وكانت السماء تمطر شظايا مطاطية جرحت أكثر ما أخافت, وشوهت أكثر ما جرحت, وأماتت من استعصى عليها تخويفهم!”.
ولكن, “……؟”, فأجاب: “أجلس هنا لأننا بعد أن طفنا مناطق كثيرة, طوال سنوات غابرة, زادها الطاغية عزلة بقطعه وسائل الاتصالات, وجدنا أننا نطوف في سجنٍ مفتوح الجوانب, سجن ليس كباقي السجون, له باب حديدي وعلى نافذته قضبان, إنما سجن سقفه فرعون, وعلى بابه فرعون, وقضبانه فرعون, سجن أحكم قبضته عليه فرعون.. ولكنه لم يدرك أنَ وجوده (الفرعون) يوجب وجود موسى وأتباعه, وإن كانوا قلة!
فيا للكنانةِ ! عمروٌ صَحا .. وأيقظَ للفجر أحفـادَهُ
ففِرعونُ عربَدَ في ظُلمهِ .. وجَذّرَ في الأرض إِفسادَهُ
في بداية أيام الثورة, كان الطعام شحيحًا, وكانت المنافذ مغلقة, إلا أن نفوس الثوار كانت منطلقة كريمة, يؤثر كل واحد منهم غيره على نفسه, وبم؟! بلقيماتٍ كانت هي كل قوتهم!, إلا أنه بعد أيام, بدأ الوضع يتحسن, ورأينا خير المصريين وكرمهم, الطعام الذي يوزع ليل نهار, العصائر والألبان, كل شيء هناك كان بإمكانك أن تحصل عليه, من جارك في الرصيف, أو أي مار يحمله!.
في تلك الأيام أيضًا كان يقرصنا مع الجوع البرد, وهذان بشكلٍ خاص حين يجتمعان لا يفرِّقا بين غنيٍّ وفقير, فكلنا نصبح حينها فقراء, بل أبناء سبيل, الداخل إلى الميدان عبر واحد من أبوابه الستّة يرى الرجال والنساء يحملون الأغطية, وفي الداخل تجد الرجل يحمل تلك الأغطية على كتفه ويدور يبحث عمن يشعر بالبرد!
أثناء تجوَّلك ليلاً أو نهارًا, كنت تجد النائمين على جانبي الطريق, وفي الحدائق الصغيرة, وتحت المباني المطلة على الميدان, وستجد آخرين يقفون على مداخل الميدان ومخارجه, يحمون كل ثغر وشبر, بأجسادهم ولا سلاح لهم غيره!
لقد مثَّل ميدان التحرير نموذجًا حيًا للدولة المصرية كما كنت أراها في أحلام الغربة, وكما أراها في أحلام اليقظة, وكما يتمناها الكثير من المصريين, ففيه بدأت الحياة بحرية وإخلاص وصمود, وفيه عشنا لحظات من الجهاد الأصغر, ورأينا أخلاقًا نشتاق إليها, وعند خروجنا منه كان الخروج منظمًا, سلسًا, ينظمه رجالٌ ونساء, يمثلون تشريفة, ينشدون فيها أناشيد يطالبونا فيها بالعودة إليهم, وإخبار الآخرين عنهم, ونطمئنهم أنَّنا: لن نخذلكم, وأنَّنا: سنخبر الآخرين دومًا عنكم!

يا رسالة حدّثيني!

كنت أحيا في أمان..
حتى نبَّهني بيان..
معلنًا أنَّ في صندوق ماضيَّ رسالة!!

***
يا رسالة حدّثيني!
قرّعيني إن أردتِ..
حمليني ذنب غيري..
ألهبيني بالسياطِ,
ثم إنْ أتعبك صبري؛
فاذبحيني!
***
يا رسالة حدّثيني!
هل بذبحي تستريحي؟
إن أردتِ فاطرحيني,
وجهيني حيث أرضي,
جهّزي سكين ذبحي,
اذبحيني من أمامي,
اتركيني أنزف الدم وسيري..
..
هل فعلت ما أردتِ؟
أَسترحتِ؟
***
يا إلهي!
بعد ذبحي حدَّثتني:
أنَّها ترجو سؤالي؟!
أو أشاركها التعازي؟!
مات قلبي فاسمعيني:
كانت الثورة عليهم..
لا عليّ!
ثم إنّي.. ما رجوت غير قلبٍ
طاهرٍ أبكي إليه
***
آه منك.. أخبريني:
مالها كلمات ربي؟!
عاتبيني بالجميلِ,
رققي قلبي عليكِ,
أبك عيناي إليكِ,
ذكريني يوم حبي,
جهزي كلمات عُذري,
واطرحيني..
قبّلي عيني وسيري..
..
هل فعلتِ ما أردتِ؟
ما استرحتِ!

إليها

باعد القدر بيننا, حتى الأرض كأنها طاوعته فانبسطت وطالت واعرضّت, فأصبحت الأذرع بيننا أميالاً, وأصبح الطريق الواحد طرقًا متشعّبَة, تفرّعت منها أزقّة, وسراديب, ومساحاتٍ شاسعة, شبيهة بلوحة فكري, التي كلما دخلتها ضعت في متاهاتها, أما التي بيننا فقد بناها أهل هذا الزمان, بظلمهم الإنسان, والحيوان, بل حتى الجماد, وأما التي في داخلي فقد بنتها رغبة الإنسان في زيادة إدراكه, وقصوره على إتمامه.

 نعم, ما زالت نفسي تتوق إلى الحديث معك, لا لمتعة أو منفعة, لكن أملاً في أن تهدأ تلك النفس الحزينة التي ترجو الاطمئنان عليك, وتتمنى أن تساعدك, وتخفّف عنك.
لا, لن أكذب عليك, فأنا أحتاج أيضًا للحديث معك من أجل نفسي, لا لأحكي لك حكايات حزني, وألمي, بل ونفاقاقي, حين أضحك لمن حولي, وقلبي حزين على حياتي التي تضيع بين يدي, لا لشيء إلا أن “الحقائق اختلطت علي, وأصبحتُ كل يوم أغير في مفاهيمي, وثقافتي, فحقائق اليوم أصبحت ليس لها تلك القوة التي كانت لحقائق الأمس” (*), أحتاج أن ألقي صراعات فكري في حلبة فكرك الواسع, فتحكمي بين أطرافها حكمًا عادلاً كعادتك.
بالرغم من تواجد الكثيرين حولي, وبالرغم من أنَّ بعضهم يتمنى أن أتحدث معه, إلا أنّ عقلي توقَّفَ عن الإيمان بأيّ عقل بعد عقلك, أو لنقل أنه لم يجد بعد ذلك العقل الذي يمكنه أن يدرك كليّات الأمور, مع عدم إهماله لتفاصيلها الصغيرة, صاحب النظرة البعيدة, وهذا لا يمنع أنه يستطيع أن يرى ما يراه الناظر تحت قدميه, الذي يتقد حماسة, ونورًا, قلّل صاحبه ذنوبه, فعاد يعمل كسراج يضيء له طريقه بحكمة الشيوخ.
ذلك العقل الذي “يسعى للارتحال من ظلمات السطحيّة لأنوار المعرفة العميقة بالأشياء, ومن موات الجمود لحيوية الحركة, ومن جمال النظرية لروعة التطبيق, أملاً في إيقاظ أمة آن لها أن تفيق” (**).
ربّما من الصعب أن أصف جمالك الذي أراه وأشعر به – عذرًا – الذي رأيته وشعرتُ به !, لكن الأصعب أن أصف كيف ترين الجمال, أو كيف تشعرين به !
كثير من النساء, ومثلهم من الرجال, يرون أنَّ الفرح يكمن في هيئة معينة, حتى أنَّهم حين امتلكوا كل مقوماته وغابت الهيئة, غابت الفرحة عن قلوبهم.
إنَّ الفرحَ شعورٌ يملأ القلب, فتظهر آثاره على الوجه والجسد, ليظهر من يشعر به كالقمر الدريّ, وتضييق باب الفرح, بل وحشره في هيئة معيَّنَة, أو مظهرٍ معيَّن, يقلّل من فرص الحصول عليه.
البعض يرى جمال الطبيعة في خضرة أرضها, وزرقة سمائها, والبعض الآخر يرى هذا الجمال غير مكتمل إلا لأنه جمال صادق, غير مزيف, فرقصات الزهور فرحها, ورائحتها كرم الفرحة, فالفرح يرتبط بالكرم, وكل فَرِح يسعى لأن يُشعر العالم كله بفرحته, ويتمنى أن يراه كله فرحًا مسرورًا, فهو مبتدأ الخير, ومنتهاه.
تمامًا هذا ما لديك, فقلبك يعرف معنى الفرح, لا مظاهره, يحب من الحياة الجميل, لا ما يبدو جميلاً, يؤمن بعين الحقائق لا مظاهرها.
جمال الدنيا في عينيك ابتسامة حبيب, وهناء قلبك في قربه, ودوام صحتك في البقاء بين يديه.
عرفتك تقيَّة نقيَّة, صوَّامة قوَّامة, ذكرك متّصل, وفعلك كثير مستمر, يدك عليا, وسيرتك ندية, من عرفك يومًا ظنَّ أنه التقاك قبلاً, يشعر أن روحه التقت روحك الطيبة الزكيَّة, ويحرص على أن تكون علاقته بك دائمة أبديَّة.
لذا فإنّي أتلهف لرؤيتك, أبحث عنك بين رفيف النجوم, وزخّات المطر, بين ضياءات القمر, وحكايات السمر, أرتاح لمجرد الذكرى, ولمجرد أن أرى وجهك, أو يلوح لي طيفه في الأفق, أو الظن بأنني سأراه.
هذه الأيام, أراك في أحلامي كثيرًا, أما في الحقيقة فإنّي أتلفت – رغمًا عنّي – كلما لمحت واحدة تشبهك, أو نسيمًا كالذي كان يصاحب طلّتك, أو فكرًا منيرًا, وإصرارًا دائمًا, كفكرك, وإصرارك على الحق.
أتعرفين أمرًا ؟, في كثيرٍ من الأحيان, عندما أقوم بقراءة كتابٍ أو رواية, ومهما كان الموضوع, فإنني أتذكرك ضمن كلمات الكتاب وأحداث الرواية, بل إنّي أظنّ أنَّ كاتب الرواية, تلك التي كان موضوعها “حبيبة”, عاش أيامًا كأيامنا, بل كان له حبيبة تشبهك.
وحدة “إيلينا” ذكّرتني بوحدتك, أما بورشيا الحكيمة فقد ذكرتني بحكمتك ومبادرتك, كما ذكرتني زوجة إياسو الطيب بوفائك وعبقريتك. (***)
وأكثر من ذكرتني بك, كانت أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب – رضي الله عنها – التي تناول سيرتها العطرة الكيلاني في رائعته “على أبواب خيبر”, كنت أقرأ الرواية, وصورتك ترتبط معها, كلما وَرَد اسمها تذكَّرتُ وجهك الموحي بالخير, كلما تَألَّمَت تذكرتُ آلامك التي بُذرت في أرضك مبكرًا, ظلم الأقربين لها وظلمهم لك, بشارَتَها التي ألقاها الله في رؤياها ووعده لمن فيه صفاتك, حَياءها, كَلِمَاتها, إصرارها وعزتها, جميع صفاتها ذكّروني بك.
وكَمَا رَأَيتُكِ في كتبي ورواياتي, فقد رأيتك في أحداث حياتي, بل إنّ تجربتنا الحزينة, تكرَّرت أمامي, وإن كانت حكايتنا لا يمكن أن تتكرَّر, وحينها كنت أسمع صوتًا داخليًا يصرخ, يتألم, يسأل الله أن ينقذ أبطالها, ويدعوه ألا تتكرر التجربة, فقد كانت مريرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) مقتبس من مقالنا السابق “من أنا؟“.
(**) مُقتبس على استحياء, من “موقع يقظة فكر“.
(***) رواية “وهكذا كانت الوحدة” لخوان خوسيه مياس – مسرحية “تاجر البندقية” لشكسبير – “الظل الأسود” التي كتبها العبقري نجيب الكيلاني.

من أنا ؟

لا أحد يستطيع أن يصف نفسه, أو يعرِّفَ بها, فكلمات اللغات مجتمعة تعجز عن وصف ابتسامة, ما بالكم بشخصٍ كامل, الله سبحانه أقسم بضحكته وبكائِه !!
وأنا كغيري, إنْ وصفتُ نفسي اليوم بوصفٍ, سأجدني غدًا أزيله, وأكتب غيرَه مكانه, أما رأيتم قول الأصفهاني: ”إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قالَ في غَده: لو غَير هذا لكان أحسن, ولو زيد كذا لكان يُستحسن, ولو قدّم هذا لكان أفضل, ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر”.

كذلك ماذا أصف فيها ؟ وما الذي أعرِّفها به ؟, هل أعرّف نفسي بأبي وأمي, أهلي, دراستي وعملي, أم أعرِّفها بعقلي وفكري, أم بمشاعري ووجداني, أم أعرّفها بإخفاقاتي وآلامي وأحزاني, أم بأفراحي وأتراحي ونجاحاتي وأمنياتي… ؟؟

هل أكتب عن محيطي ؟, وكيف يُعرَّف الشخص بمحيطه (والفكرة هنا للدكتورة هبة رؤوف عزّت), وهو كيان أعجز العلم والعلماء عن الإحاطة به, لدرجة أن وصفه الشاعر بـ:
وتحسب أنَّكَ جرمٌ صغيرٌ .. وفيك انطوى العالم الأكبر
إذًا فلا يمكن أن تعرَّف النفس إلا بها, إلا أنّ الشيء لا يمكن أن يعرَّفَ بنفسه, فقد قال القائل مستنكرًا: “بعد جهدٍ وعناء, عرَّف الماء بالماء !”, بينما البعض يقول: “إنّما يمكن تعريف الشيء بما يُشَاهَد عليه”, والظاهر المُشَاهَد أحيانًا ما يُعطي حقائق مقلوبة تمامًا, ولنا في قصة موسى والخضر عليهما السلام العبرة والعظة.
نعم, إنّها حيرة تَصحبك أنّى ارتحلت, ومهما تعلّمت, أو حَوَت نفسك من خبرات, أو رأيت من طباع البشر, أو قرأت في علم النفس, وأحوال أهل الأثر, هي حيرة تجعلك تتحدّث بطلاقة, وحين يُطلب منك تعريف نفسك, تقف برهة, تفكّر, ثم تنطلق في شرح مالا يمكن شرحه, أو الصمت, أو قول: “لا أعرف”.
قد يقول البعض: “يمكنك تعريف نفسك بالحديث عن أفكارك, إنجازاتك ونجاحاتك, ما كُرّمت من أجله, وما تعمل فيه, مشاعرك, أمنياتك, دراستك, خطتك في الحياة…”, ويضيفون: “هذه الأشياء لها علاقة بك, وهي دليلٌ على صفاتك”, وفي هذه معهم حق في جزئها الأول, فهي لها علاقة بي, لكنها ليست دليلاً عليّ, بل هي مجرّد قرائن قد تُثبت أو تكون غير قادرة على الإثبات.
لأنّي ربّما أضحك لمن حولي, وقلبي حزينٌ على حياتي التي تضيع بين يدي, لا لشيءٍ إلا لأنّ الحقائق قد اختلطت عليّ, وأصبحتُ كل يوم أغيّر في ثقافتي ومفاهيمي, فحقائق اليوم أصبحت ليس لها تلك القوة التي كانت لحقائق الأمس, كالعملة التي تكتشف فجأة أنها مزوّرة, أو معطّلة !
قد يعدّ البعض هذا التغيير تقدّمًا, ومن أدراك ؟, فلربما التقّدم للخلف, كحال الكثيرين, فلا وحي لديك, وما لديك محض اجتهاد, ولا شيء مؤكّد.
مشاعري تتغيّر وتتبدل كل يوم, فما يسرُّني اليوم يصبح غدًا من الأحزان, يكفيه أن تمر عليه يد القدر فتبدلّه من حالٍ إلى حال.
نجاحاتي ليس لها قيمة إن لم تستمر, كما أنّ قيمتها مؤقتّة لا تصلح أنْ تكون صفةً تلصق بي بقية حياتي.
آلامي, وأحزاني لا أجاهر بها, فربها مطلع عليها, هو حسبي ومولاي.
إذًا “فمن الصعب أن أتحدّث عن نفسي, قد أحتاج عمرًا كي أفهمها قبل أن أبدأ في الحديث عنها, وقد أتحدّث وأنا لم أعرفها بعمق بعد. وقد أسعى للإمساك بالمعنى لكن يُفلت مني، وأتغيّر وتتغيّر اللغة، وأحاول من جديد”.(والفقرة هنا للدكتورة هبة رؤوف عزّت)
أمَّا ما دون ذلك فهو ثابت, فاسمي الذي عُرِفتُ به بين أهلي وأقراني ثابتٌ على رأس صفحتي وحياتي, حتى أنّي لم أختره, وهو الأقرب مني !, وسنين عمري تمشي دون إرادة مني بإيقافها أو تسريع وتيرتها, ودراستي لا تعبّر عنّي, بل عن علوم معينة مررت عليها, وإنجازات الماضي انقضت, فلم تعد إلا تاريخًا, وإنجازات حاضري أجاهد كي أوافيها, وبالكتمان أحيطها وأحميها, وإنجازات المستقبل.. ماذا عنها ؟ لا أظن أن أحدًا يدرك ما يمكن أن يحدث فيها !
إذا كُرِّمتُ, حزنت خوفًا ألاّ أكون أهلاً لهذا التكريم, وخوفًا من أن أصاب بالرياء, وإذا أُهنت عزّ علي, وحزنت, واستكنت.
إن تجاهلني الناس شعرت كأنّي طفلُ شريدٌ عزَّت عليه نفسه أن تطلب الناس, وإنْ طلبوني خفت على نفسي الفتنة.
هل الأمر معقَّد ؟
نعم, إنَّه بالفعل كذلك, لذا يقولون أنَّ النفس البشريَّة أعجز ما خلق الله, وأنَّ وصفها أشدُّ صعوبةً من وصفِ الكون وما يقع بين السماءِ والأرض, حتى أنَّهم حين اخترعوا الإنسان الآلي, في محاولة للاستعاضة به عن خدمات الإنسان الحقيقي, فشلوا في إكسابه الصفات النفسية للبشر, وفي جعله يشعر بالضحك, أو البكاء, فصدق الله ربنا حين أقسم قائلاً: “وأنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى”.

عودة إلى سربرينتشيا

(1)
عادة لا تمطر كثيرًا في هذا الوقت من العام, إلا أنّها في هذا اليوم أمطرت مطرًا شديدًا على الأجزاء الجنوبية من القارة الأوروبية, لذا فقد أخبر قائد الطائرة الركّاب عن اشتداد الأمطار بالخارج, وطلب منهم ربط الأحزمة نظرًا لمرور الطائرة بعاصفةٍ رعديَّة ومطريَّة قد تؤدي لاهتزازات, وهو ما شعر به الركاب على الفور, فقد اهتزت الطائرة هزّة عنيفة, أوحت لهم بالهلاك, وجعلت كل صاحب عقيدة يستنجد بمُعتقده.

وبالرغم من حجم الرعب الذي ظهر على وجوه المسافرين إلا أنهم صمتوا, فأحيانًا الخوف والرعب يصيبا صاحبهم بالخرس المؤقت, كذلك فقد كان العرق يتصبب منهم رغم برودة الجو.

بين ركاب الطائرة كان يجلس أحدهم, يتصبب عرقًا مثلهم, لكنه لا يشعر كما يشعرون, ولا يدرك أي شيء مما يدور حوله, فهذا المشهد ذكّره بيومٍ عصيبٍ في حياته, بل يوم لا يمكن أن يضاهيه يوم في حجم مأساته, أو مآسيه.
كانت السماء ترعد يومها, والمسلمون في المنطقة يتجمّعون يحاولون الاطمئنان على بعضهم, بعدما سمعوا في الأخبار ما يقلقهم.
ما زال يتذكّر ما قاله والده المجاهد بالرغم من أنّ عمره حينها لم يكن قد تجاوز السابعة, قال موجهًا حديثه لجميع من كانوا في المخبأ, وللمجاهدين منهم بشكلٍ خاص: “الشجاعة لا تقرّب الأجل، والجبن لا يؤخّره, لا تجزعوا لنقص إمكانياتنا أو قلة عددنا فما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل… لا تستسلموا, أوصيكم بالاستبسال في القتال، فإن كتب لكم الله الانتصار فقد نلتم إحدى الحسنيين, وإن كتب لكم الشهادة فقد سطّرتم بدمائكم الزكيّة صفحات ناصعة في تاريخ الأمة الإسلامية”.
لم يفهم ما سمعه حينها, لكنه كان يتردد في أذنه كل حين, ويوقظه من نومه كل ليلة فزعًا يبحث عنه..
لم يكمل زعيم المجاهدين حينها كلمته, فقد وصله أنّ جنود الصرب قد اقتحموا المنطقة, وبدأوا في قتل الرجال وضرب الأطفال, وسبي النساء… ذُهِلَ الرجل من سرعة تنفيذ الجنود لتعليمات قائدهم الذي قال يومها صباحًا: “اقتلوا المسلمين واذبحوهم”, وجاءوا هم على عجلة السرعة ينفّذون حكمه !
أوصى الرجل بطفلِهِ الصَّغير إلى جارٍ عجوزٍ كان جالسًا معهم, ثم ودّعه بضمّة قويّة اعتصرت فؤادهما, كأنه يعدّه لما سيلقاه بعد ذلك, ثم انطلق خارجًا مع بعض الرجال للدفاع عن الأمة, عن الدين, عن الوطن..
ولم يتبقَّ في المخبأ إلا العجوز وعدد قليل من الأطفال والنساء لا يتعدى عددهم أصابع اليد الواحدة, و“عزّت”.
(2)
كانت ليله من أعظم الليالي التي مرّت على أهل سربرينتشيا, كان الجنود الصِّرب يقومون بأبشع أنواع الضرب والحقد, يطلقون أياديهم العابثة وألفاظهم القذرة التي تدل على نياتهم القبيحة في حرمات المسلمين.
لم يعد والد عزّت يومها, ولم يعرف أين هو, كان يلحّ على جدّه (اعتاد أن يقول لجارهم العجوز جدّي) أن يخبره أين ذهب, لكن بمرور الوقت أصبح يكتم ما يشعر به..
حتى حين أخبره جدّه أنهم سيسافرون إلى منطقة أكثر هدوءًا, ومدرستها أجمل من مدرسته التي تهدّمت, كما يمكنه فيها أن يحصل على قدم صناعيّة تساعده على الوقوف واللعب كما الأطفال, فإنه لم يقل له أنّه يشعر أنه لن يرى والده مرّة أخرى, كما أنه يدرك تمامًا أن قدمه لن تعود لسابق عهدها, فقد سبقته إلى مستقرها.
(3)
لم يألُ جدّه جهدًا في رعايته ودعمه وتعويضه عن عدم وجود أبيه و“أمّه”, التي خرجت يومًا ولم تعد.
عرف عزّت بعد ذلك أنّها يوم أخبره والده أنّها صعدت إلى السماء كانت قد صعدت بالفعل, “صعدت وهي طاهرة, عفيفة”, هذا ما أخبره به جدّه بعد ذلك, وبعد إلحاح لسنوات, زاده تفاصيلَ زادته حُزنًا وألمًا, حيث قال له:
“في ذلك اليوم كان والدك في الخارج, في كتيبة كانت مهمّتها حماية سربرنيتشا, أُصِبتَ أنتَ حينها بحمى أسقطتك أرضًا, وأسقطت أمك في يدها, فلم تجد بدًّا من أن تخرج تبحث لك عن دواء, بعد أن نفدت كل محاولاتها لخفض درجة حرارتك بالماء.
قابلها جنديّان صربيّان في الطريق, ضيّقا عليها الخناق, قالت لهم: “طفلي مريض”, أمك العزيزة بكت لجنديين صربيين تخلو قلوبهم من الرحمة, رجتهم أن يتركوها تذهب لتحضر لك دواءً, تعرضوا لها, بكت وصرخت: “أرجوكم.. دعوني أحضر الدواء لولدي ثم خذوني افعلوا بي ما شئتم”, لم يعيروها انتباههم, وراحت أيديهم النجسة تمتد إليها, ثم قتلوها شر قتلة, وألقوا جثتها في الطريق, وأنقذتك العناية الإلهية”.
حين وصل لهذا الجزء شهق شهقة خرجت مختلطة ببكاءٍ مرير, هزّه الرجل الجالس بجواره ظانًّا منه أنّه أصيب بنوبةٍ ما نتيجة العاصفة التي مرّوا بها, وقال له: “أفِق يا بني, لقد مرت العاصفة بسلام”, نظر بشرود ثم قال له: “لم تمر, ولن..”.
(4)
أثّر يُتم عزّت على نشأته, فقد أصبح رقيق القلب, حَسَنُ الخلق, عيناه زرقاوان كلون السماء, وبهما مسحة حزنٍ تكسبه بهاءً على بهائه, فكأنّه القمر في تمامه, يحبُّ الشعر, ويعشق الطبيعة, ولا يمل من النظر للبحر, ذليل لإخوانه, عزيز على أعدائه, سماه والده (عزّت) تيمنًا بالقائد المسلم علي عزّت بيجوفيتش.
أعلن قائد الطائرة دخولها أجواء مطار سراييفو الدولي, أرجعته جملة “مطار سراييفو” إلى يوم حاول وجده الخروج من البوسنة, كان المسلمون والصرب يتقاتلون حوله, لأنه كان مكسبًا عظيمًا لمن يملكه, فالمسلمون حينها كانوا محاصرين من كل الاتجاهات من الصرب, حيث أحاطوا بسراييفو إحاطة السوار بالمعصم, إلا منطقة المطار, ولم يستطع عزّت وجده الخروج إلا مشيًا على الأقدام كما فعل غيرهم.
نظر من نافذة الطائرة ليجد مدينة “تبدو من الجو كعش حمامة ممتلئ بالبيض المنقط، أو شقفة من الفخار تختزن بين جنباتها غريفات من ماء المطر”(*).
هَبَطَ عزّت من الطائرة يحمل حقيبته الوحيدة على كتفه, وحين لامست قدمه أرض المطار أخذ يضغط بقوة عليها يستشعر حقيقة وصوله إلى أرض الوطن, وقدمه الأخرى كانت غارقة في جزء بلاستيكي لا ينتمي إليها, لكنه أصبح جزءًا منها, كما كانت حياته أثناء غربته, لا ينتمي إليها, لكنها جزء منه, وهذا حال المسلمين, قدم سليمة تشعر بالألم, والأخرى مبتورة مزيّن مكانها بقدم مصنّعة بـ”مشتقات النفط والذهب”.
بالرّغم من الحقد الصربي الأسود إلا أن سراييفو الرائعة ظلت كما هي؛ “من الأرض تستعصي على الرؤيا إلا بطرق ثلاث، أن تقف على أحد جسورها المرتفعة عن الأرض أو جبالها وهضابها العالية المحيطة بها أو من فوق سطوح عماراتها المنتصبة في جانبها الغربي. في حين تنتصب مآذنها في كل مكان وكأنها شموع تضيء ليل البلقان البهيم.
عند خروجه من المطار لم يرَ أمامه سوى بيوت من الطوب الأحمر ذات طابق واحد لا تزال آثار الرصاص مرسومة على جدران بعضها” (*).
كانت الأمطار لا تزال مستمرة, اختار أن يذهب أولاً إلى “توزلا” عبر الحافلة لحضور مسيرة نظمها عدد من الجمعيات لإحياء ذكرى المفقودين في سربرينتشيا.
انطلقت به الحافلة بين شوارع سراييفو, وما أن خرجت الحافلة من المدينة حتى دخلت في طرق متعرّجة بين القرى والغابات إلى حين وصولها إلى “توزلا”, العاصمة الاقتصادية في البوسنة لوجود مصانع الكيمياويات ومناجم الفحم الحجري بها.
وصل إلى توزلا في العاشرة صباحًا, وقد كانت الوفود قد بدأت التوافد على المكان الموعود منذ ساعات الفجر الأولى، أي بعد صلاة الفجر مباشرة.
وصل إلى مكان انطلاق المسيرة, حيث سبقته إلى هناك أمهات سربرينتشيا, وهنَّ يحملن شريطًا طويلاً يضمّ قطعًا من القماش بألوانٍ مختلفة عليها أسماء الضحايا وتاريخ الميلاد, أما تاريخ استشهادهم فمعروف للجميع, إنها الفترة ما بين 11 و19 يوليو 1995م.
(5)
كان والد عزّت يعمل بأحد مصانع الفحم الحجري, حيث ينتج المصنع الفحم, ثم يبيعه بثمن جيد ليقوم آخرون بحرقه, ففحمهم كان من أجود الأنواع وأتقنها, وقد استُخدم المسلمون حينها كفحم بديل لإشعال الحرائق في غابات سربرينتشيا..
لم يدرك عزّت ما حدث لوالده إلا بعدها بسنوات, حين كان في العاشرة, ففي يوم دخل على جده فوجده يبكي بشدّة وهو يمسك بيده صحيفة تحمل في صفحاتها بعض الصور التي نُشرت لأوّل مرة, كانت صور مؤلمة, فيها جثث ملقاة على جانبي الطريق, وحُفَرٌ كبيرة تمتلئ بالجثث المكومة كبقايا الطعام, أو قمامة زائدة عن حاجة الصندوق, فلم يقدر على استيعابها, وأخرى لأسرى يقتلون أحياء…
ذُهل يومها وبكى للمشهد, فقد كان مشهدًا لا يوصف..
سأَلَ جدَّه عن أصحاب الصور: “من هم ؟ وماذا فعلوا ؟ ما هو الجرم الشنيع الذي قاموا به ؟ وبأي ذنب قتلوا ؟ ومهما كان ذنبهم كيف يلقون بهذه الصورة ؟ ألم تخبرني أن للميت كرامة بعيدًا عن دينه, صالح أو فاسد, مذنب أو غير مذنب ؟”, لم يستطع جده أن يرد عليه, نظر مرة أخرى إلى الصور فوجد بجوارها مكتوبًا “مجزرة سربرنيتشا التي راح ضحيتها أكثر من 8000 مسلم”.
ثمانية أيام ارتكب فيهم الصرب أبشع جرائم الإبادة بحق المسلمين في سربرينتشيا بل ربما في العالم, ثمانية أيام قتلوا فيها ثمانية آلاف مسلم مدني, أمام مرأى ومسمع الغرب, الذي كان يتابع عبر أقماره الاصطناعية, ومخابراته, مشاهد الدم الإسلامي المسفوك في غابات سربرينتشيا آنذاك.
بعد أن تمت الجريمة أشار الغرب بأصابع الاتهام للجناة, ولم يخلُ المشهد المسرحي من تبادل الاتهامات بين أذرعه المختلفة كحلف شمال الأطلسي والأمم المتحدة وممثليهم في البوسنة والمنطقة, وكانت النتيجة أن استُشهد مائة ألف إبان الحرب بين عامي 1992 و1995, وبالتأكيد كان المسلمون العرب غارقين في قدمهم البلاستيكية, المصنعة في مصانع الغرب من أجود أنواع النفط الإسلامي.
(6)
خَرَجَ عزّت في غربته يهيم على وجهه, يسأل كل رائحٍ وغادٍ عن سربرنيتشا, ماذا فعل أهلها ؟ أليسوا مسلمين ؟ لماذا لم تنقذوهم ؟ أليسوا إخوانكم ؟ ما ذنب أمي أن تغتصب ؟ وماذا فعل أبي الطيب الحنون ؟ ولم نحن هنا ؟ لماذا لا نعود إلى سربرنيتشا ؟
لم تكن أسئلة عزّت البسيطة إلا مثار تساؤل وسخرية من المستمعين, فبين متهم إيّاه بالجنون, وبين متقزِّزٍ من مشهد بكائه, ومن يطلب له الهداية, ومن يشفق عليه, وبين من يسأل: وما هي “سيربريشت ”هذه ؟ا
ومنذ ذلك الحين, أطلق زملاؤه عليه: “عزّت سيربريشت”, كانت نياط قلبه تتقطع حين يسمعها..
(7)
حاول عزّت أن يبطئ من وتيرة اليوم المتسارعة, كان يخشى المقابلة, كان يخشى أن يلتقي بهوائها, وأرضها, لكن لا بد له أن يعود, لا بد للغائب أن يعود يومًا, لا بد لكل صاحب حق أن يحصل على حقه, ويدمغ الباطل.. لا بد !
خمسة عشر عامًا كاملة مرّت على المنطقة, لم تتغيّر فيها كثيرًا, العالم كله تقدّم إلاّ هذه الأرض الإسلامية, ما زالت ثابتة على حالها منذ تركها, كحال الكثير من أراضي المسلمين.
الذين هاجروا منها وقت الحرب ثم عادوا بعد ذلك يفكرون في تركها والبحث عن أماكن أخرى يستطيعون أن يقيموا فيها حياتهم.
نفس المدارس التي تركها, العدد لم يزد إلا قليلاً, ونفس الهيئة, لا توجد مستشفيات, لا يوجد عمل, لا يوجد أي شيء للحياة, أحيانًا لا يوجد ماء ولا كهرباء أو طعام.
الوضع الاقتصادي سيئ لأقصى درجة, نتيجة الحصار الذي فُرض على البوسنيين, والذي دفع الكثير منهم إلى الهجرة, ليجد ما يقتات به هو وأولاده.
(8)
وصل عزّت إلى بيته, وعلى وجه الدقة إلى البيت الذي كان بيته, فهو لم يجد إلا آثارًا وبقيّة بيت, لم يقترب منه أحد بإصلاحٍ أو بناء, لا يوجد ما يبنون به, ولا يستطيع أحد أن يساعده على بنائه.
جلس على حجر يتوسّط الأطلال, كانت هذه غرفة استقبال الضيوف, سمع بجواره صوته وهو يضحك, ثم جاءه من ناحية المطبخ صوت أمه وهي تناديه: “عزّت.. والدك في الطريق, هيا لنستقبله”, قام فجأة من فوق الحجر, ثم انتبه إلى أنه ما زال في مكانه بينما رحلت ذاكرته إلى سابق أيامه.
سار بين غرف البيت يتنقل من هذه إلى تلك, ومن الدور الأول إلى الدور الثاني, ثم دخل إلى غرفته, وهي إحدى الغرف التي ما زالت باقية, كان والده يقف مكانه مبتسمًا, يودعه وهو يغلق مفتاح الإضاءة, بعد أن قرأ عليه بعض الآيات من القرآن, وبعد أن قبّله قبلة حانية, فهذا هو برنامج ليلته اليومي, وفي الفترة الأخيرة قبل وفاته زاد عليها أنه كان يحكي له عن أمه التي صعدت إلى السماء.
نزلت من عزّت دمعة ترقرقت على خده, وانسلت منه حتى سقطت على أرض غرفته, أطرق بعض الوقت, ثم انطلق إلى النافذة الخشبيّة المعتقة وفتحها, أغمض عينيه نتيجة قوة ضوء الشمس, أفسح مجالاً له, وترك شعاع الشمس ينتشر في الغرفة, يحمل ذرات الكون الحر إلى داخلها.
ـــــــــــــــــ
(*) المعلومات الواردة في القصة مأخوذة من موضوعات عن البوسنة والهرسك, وعن سربرنيتشا بشكل خاص من عدد من المواقع والصحف, منها: (شبكة الإسلام اليوم, موقع الجزيرة توك, صحيفة الشرق الأوسط).

على الأطلال

يقول امرؤ القيس في مطلع معلّقته:
قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيْبٍ وَمَنْزِلِ ** بِسقْطِ الّلوى بَيْنَ الدّخولِ فَحَوْمَلِ
استشهدتُ بهذا البيت أثناء إجابتي على اختبار منذ فترة ليست بطويلة, ولم يدر في خُلدي حينها أنّ الوقوف على الأطلال مؤلم كثيرًا,  ولم أتساءل حينها أيضًا: “هل هو داءٌ أم دواء ؟”, ولم أفكّر في أنّ هذه الأبيات وإن كُتبت منذ ما يتعدّى خمسة عشر قرنًا إلاّ أنّها ما زالت تنبض بالحياة, ولم أدرك أنّ كاتبها تألّم كثيرًا قبل أن تنتج قريحته أبياتًا تعلق في رؤوس صناع اللغة, صغارهم وكبارهم, عبيدهم وأحرارهم, رجالهم ونساءهم, ولم أدرك.. أنّي يومًا قد أشعر بما شعر به !
إلا أني تميّزت عن صاحبي في أنّي لم أقف على الأطلال, بل طالعتني هي, وجاءت إليّ محمّلة على أعناق القَدَر, كولدٍ عاقٍّ فرّ من أهله, ثم أعيد إليهم مقيّدًا إلى سرج راحلته.
جاءتني الأطلال تحمل الذكريات, وهي ليست ذكريات حزينة, بل إنه يندر أن يكون فيها ذكرى حزينة, وهذه حبكة الأطلال, فالشاعر لن يشتاق لدار نما فيها غير حبيب, وهذه الدار عينها بعد فراق الحبيب تصبح مرجلاً للشاعر يُحمى فيه على أضلعه !
على كلٍّ فهو فراق دائم, لن يغير البكاء على أطلاله شيئًا منه, لكن هذه هي الحياة, تتبقّى منها الذكرى, كالناقوس تدقّ.. “أفرأيتَ أنت الغِنى عندما يُدبر عن إنسان ليتركَ له الحسرة والذكرى الأليمة؟ أرأيت الحقائق الجميلة تَذهب عن أهلها فلا تترك لهم إلا الأحلام بها؟ ما أتعبَ الإنسانَ حين تتحول الحياة عن جسمه إلى الإقامة في فكره!” (*), نعم هذا هو الفراق!

لم نتعلّم في مدارسنا, أو يعلّمنا أهلونا كيف نفترق !, ربما لأنّهم أيضًا لا يدركون كيف !, ولم يدرك آباؤهم كيف, ولم يدرك أيضًا أيّ من أجدادِهم, وأجدادِ أجدادِهِم كيف !, بل لم يدرك شعراؤنا العظام كيف يكون !
فقط إنّه الفراق, يأتي دونما ميعاد!
صديق ظنّ أن سابق معرفته بموعد الفراق, سينقذه من آلامه.. فدار بيني وبينه الحوار:

- هل تترقبّه ؟ “ممممم ” إنّه على وصول إذًا..
- لا .. ليس الآن, بعد قليل..
وبعد فترة..

- إنه يطرق الباب..
- نعم.. نعم..
لقد هيّأتُ نفسي جيدًا لاستقباله..
أنا بخير.. وسأكون..
لكن.. لمَ ينتفض قلبي ؟!
لمَ لا أقوى على إخراج صوتي ؟!
لستُ ضعيفًا لهذه الدرجة, ولم أكن يومًا !
نعم, نعم.. لعلها رهبة التجربة الجديدة.. (هكذا كان يقول لنفسه)
- لكن.. ما الذي يبكيك الآن ؟!
ألم تقل أنّك: “هيّأت نفسك جيدًا لاستقباله” ؟!
فما الذي يبكيك إذًا ؟!
- آهٍ منك, تدّعي دائمًا أنّك “رجلٌ” تصارع الكبار, وما أنت سوى “طفلٍ” في هيئة الكبار.. ما زال الفراق يكسر قلبك, ويطحن أضلعك.. ويهتف كلّ حينٍ في فؤادك, فتتردد أصداءه في سمعك.. لتئِنّ نفسك في جوفك, وتقول: “ياااااااااارب”, وتتبعها أنهار عينك تنهمر..
- ماذا بعد ؟
- ….
لم تكن قصائد الشعراء الأوائل تنتهي بالوقوف على الأطلال, بل كانت إيذانًا ببداية قصيدة جديدة, وحكمة, وحياة أخرى, فقد كانوا يقفون عليها هنيهة, يبكي أحدهم كما لم يبكِ من قبل, يتألّم كأنّ بقلبه حمم بركان مُنفجر, وهدير موج هائل, وما في صدره سوى نبع من حنان منصهر, وحنين !
ثم ينطلق إلى صاحبيه, يخبرهما كيف ارتحل إلى الأطلال, فيصف ناقته أو حصانه الذي ما قدّم عليه أحدًا إلا “هي”, ولكن أنّا لها أن تعرف بعد الرحيل !
أو ربّما ذِكْرُهُ ناقته بعد الأطلال, رجاء ينادي به رب السماء, الذي أنقذه يوم أن ضلّ في الصحراء, فأحياه.. لعل ربّ الصحراء الذي أحيا أجسادًا من ضفاف الموت يحيي هذه الأطلال, فتجري في حناياها الحياة, ويلهم روحًا هائمة في جنبات فلاة رشدها, ويسقيها من واحة العودة..
أملٌ في خالقٍ مُوجد, ونظرةٌ في سماء مُزرقـّة, ونسمة هواء تداعب وجهه, وينبوع صافٍ  يظهر في الأفق, كل هذا يمنعه أن يستسلم لدوّامة الفراق, ويترك نفسه للوقوف – فقط – على الأطلال, فلا يتحرك من هناك, فيضيع عمره مثقلاً بفراقات.

هاهم يشدّون الرحال إلى مكانٍ بعيد, أسمعُ حاديَ القافلة ينادي, كأنّه ينادي عليّ.. لا بل إنه يشدو بأهازيج عنّي, كأنه ينشد قصتي, وآهاتي..

يا راحلين إلى ديارٍ كنتُ أسكنها
اليوم أطلبُ عين الدارِ.. أبكيها
ثمّ ينشد:
“يا حادي العيسِ عرَّج كي أودِّعهـا
يا حادي العيسِ في ترحالكَ الأجـلُ
إنّي على العهدِ لم أنقض مودتهـم
يا ليت شعري بطول العهدِ ما فعلوا”(**)
 ـــــــــــ

(*) عروس تزف إلى قبرها – وحي القلم – مصطفى صادق الرافعي.

(**) من قصيدة “لما أناخو قبيل الصبح عيسهم” – للشاعر “محمد بن القاسم أبو الحسن المصري”, الملقب بـ”ماني الموسوس”, وهو من شعراء العصر العباسي.
(***) ربما يتشابه بعض ما كتبته في هذه التدوينة مع ما أشعر به, لكنه لا يتطابق, إلا أنه بالتأكيد (ما أشعر به) هو ما أوحى إلي بكتابتها.

حنظلة والبحر

“صار لنا زمان ما كتبنا عن فلسطين” وهذا ليس لقلة أهمية القضية, لكنها القضية الأغلى التي عزفت النفس عن الحديث عنها وهي مكبّلة لا تقدر على نصرتها.
هي كشعورك تجاه أبنائك فلذات أكبادك, حين تعرف دواء مرضهم ثم لا تقدر على علاجهم, فتهجر الكلام, وكأنك نسيته, وما أنت بنسيّ.

 ربما غابت فلسطين الاسم, وغزة اللفظ عن كتابات بعضنا, لكنّها لم تغِب عن مضمونها, أو عن قلوبنا.

فحنظلة الذي كانت مهمّته ورؤيته وهدفه العودة إلى فلسطين, لم يمنعه ذلك أن يقول: “مهمتي أن أتحدث بصوت الناس، شعبي في المخيّمات في مصر والجزائر، وباسم البسطاء في المنطقة كلها, والذين لا منافذ كثيرة لديهم للتعبير عن وجهة نظرهم” نعم القضية واحدة.
اليوم تقدم جهادنا – نحن الشعوب لا الحكام – خطوات إلى الأمام, فبعد أن كان جهادنا بالمعنى, أصبح جهادنا بالفعل, اليوم أصبح جهادنا بالمال والنفس, أصبح ناتجه دماؤنا, والطريق الذي تبذل فيه الدماء هو طريق النصر, فإذا حضرت الدماء, بطل الكلام..
بالأمس كنّا نتغنى بما فعله غالوي, نشيد بإمداده شريان الحياة إلى غزة, وما زال فعله يُحترم, أما اليوم فقد أثبتت أمة محمد (صلى الله عليه وسلم) أنّ الخير باقٍ فيها إلى يوم القيامة, وهذه في ذاتها لا تحتاج لإثبات, لكنها النفس البشرية تجزع, فيرسل الله لها ما يثبتها به.
مدّت تركيا شرايينًا للحياة إلى غزة, فلم ترسل لها غذاء أو دواء أو بناء فقط, لكنها أرسلت الأبناء, ومدت بينها وبينهم الشهداء, الذين قالت أمهاتهم: “نحن فخورون بكم.. وسعادتنا عظيمة بشهادتكم”, ثم وضعن علم فلسطين على جثثهم.
استبشرت خيرًا بما حدث, وكذلك فعل حنظلة, فقد استدار !!
ولد حنظلة لأب فلسطيني في الكويت عام 1969, أي بعد النكبة بما يناهز العشرين سنة, وبعد النكسة ببضع سنين, هو فتى من ورق, لأب غريب مهجّر يشعر بالقلق, ولد في صحيفة “السياسة الكويتية”.. طلب منه ناجي العلي أن يكون ضميره اليقظ وقلبه النابض, وكم من مثقفين وأصحاب مواهب فنية خدّروا ضمائرهم, او قتلوها, فباتت كخرقة بالية يمسح الواحد منهم ريشته فيها بعد أن ينتهي من “إبداعه”!
نشأ حنظلة مهاجرًا, غريبًا, وبدلاً من أن تكون طفولته أيام لعب ولهو..
وطفولتي يا سادتي .. سقطت كأوراق الخريف
والدمع كان وسادتي .. في ليل غربتنا المخيف
رسم ناجي العلي فتاه “حنظلة” صبيًّا في العاشرة من عمره, واختار أن يكون طفلاً ليعبّر عن البراءة والصدق, وأسماه بحنظلة كرمز لمرارة الألم.
في المهد أرضعت الألم .. ومرارة الأم الصبور
الله لو يجدي الندم .. بين الخرائب والقبور
“لم يكن حنظلة شخصية كاريكاتورية ثابتة الرؤية، وإنما كان شخصية حية, لها مواقفها المختلفة, يؤيد هذا, ويعارض هذا حسب سياق الواقع من حوله, ففي بداياته قدمه ناجي صبيًّا فتيًّا مقاتلاً متفاعلاً فتارة يكون شاعرًا وتارة يكون جنديًّا”..
في الفترة الأخيرة من حياة ناجي قدمه بصورة مغايرة تمامًا وذلك بعد حرب 73 فقد أدار حنظلة ظهره للقراء وتشابكت يداه الصغيرتان معًا خلف ظهره، وسكت عن الكلام ربما ليكون مجرد شاهد وضمير أمة. (*)
قد يسأل أحدهم, عما كان ينظر إليه حنظلة ؟!
فأجيبه: “حسب ما تنظر إليه أنت !”, فإن كنت تنظر تجاه نفسك, فإنّ حنظلة يوليك ظهره, لأنه بانشغالك عن قضيتك أوليته ظهرك, هو ينظر إلى فلسطين يتمنى أن يعود, وأنت تنظر إلى المادية تتمنى المزيد !
إني ولدت على الحدود بلا وطن
المهد يحتضن الصغير ولم أنل حتى الكفن
التائه المحروم يبحث عن قليل من تراب
والأرض من حولي خراب
ما دمت منفيا شريدا كل ما حولي سراب
الأمنيات السارحات على حدود البال
مرتعها الوطن
وإذا غفوت فإنما حلمي وطن
والشوق محتدم بهذا الصدر
يصرخ يا وطن
أين الوطن؟ أين الوطن؟
وإن كنت تنظر إلى القدس, فيجب ألا يصيبك القلق, فحنظلة يقف أمامك في الصف الأول, فهو كالطفل الذي خرج أبوه ولم يعد, فيخرج كل صباح ينتظره حتى المساء, فلا يعود, يتابع كل يوم سقوط الشمس على الأرض, ثم يقفل راجعًا يجر أذيال الخيبة, خيبته في الكبار, الذين يعدون ولا يوفون الميعاد..
أو هو كالأطفال يصحبهم أباؤهم يوم معركة النصر أو الشهادة, تجدهم يلعبون أمامهم, يتقدمون الجيش يحملون سيوفهم الخشبية, يحاربون بعضهم, يتدربون استعدادًا للقاء العدو, يتقافزون, يضحكون, يولون ظهورهم لآبائهم, ينظرون إلى القادم, فهو دائمًا أجمل – على الأقل بالنسبة لهم -.
أما حنظلة فقد تركته أرضه, أو تركها !, وهي له الجذور, وهو لها الثمر!, وبقي وحيدًا واقفًا ينظر إلى ما حُرِم منه, موليًا ظهره لكل من أولاه ظهره.
لا تظنوا أنه منذ تركه العلي وهو واقف لا يدرك ما يدور حوله, لا بل هو مدرك, يحلله كعادته بأسلوبه الساخر, ويتذكر..
أنا في تباشير الصبا .. في خيمتي بين الصغار
أغدو وأرجع متعبًا .. من حمل أحلام الكبار
أن يرجع الوطن الأغر
حلم الرجوع إلى الحياة .. حلم المشرد أن يعود
أنا لست أملك أن أرى .. إلا بإذن من يهود
أنا لست أملك أن أحن

إلا أنه أثناء وقوفه موليًا وجهه إلى فلسطين كعادته, وكان البحر خلفه, سمع صوتًا قادمًا من عمقه يقول: “قادمون, مهما كلفنا الأمر, قادمون حتى لو منعتنا الأرض, قادمون في البحر, نحمل الخير, نكسر الشر.. قادمون”..
التفت حنظلة, ولأول مرة منذ استدارته, التفت حنظلة لأنه رأى أن بعضًا مما كُسر في الماضي عاد ليندمل من جديد, شعر أنّ الرقع بات مقدورًا عليه في يد الراقع, التفت ينظر فهاله مشهد مذبحة, كتلك التي جرت وتجري على أرضه, سمع أصواتًا شبيهةً بأصوات أهله, شمّ رائحةً لم يشمّها منذ كان طفلاً في العاشرة, حين رسمه لأول مرّة العلي, فقد كانت رائحة الكرامة !
سقط من يده غصن الزيتون, أشار بيده إلى البحر, رفع يده إلى السماء, أنزلها ثانيةً إلى البحر, كأنّه يشكو إلى رب السماء ظلم أهل الأرض, ظلمهم في البر والبحر, لكنه كعادته؛ يبقى صامتًا, ساكنًا, وما هو بساكن !
يا قدس قد طال البعاد .. واشتقت ذيّاك السراب
الله من يحمي البلاد .. من أن تباع أو تشترى
وتكون أحلامي الثمن
وتكون أحلامي الثمن
ـــــــــــــــ
(*) سيرة ناجي العلي – ثقافة وفن – موقع إسلام أون لاين, فك الله أسره !
(**) القصيدة: وحدي, د. سمير الدهشان, وأنشدها أبو مازن.

بين السماء والأرض

يبذل الكثير منّا الجهد الجهيد لمقابلة من يعلمه, أو يثبّته بكلامه وحكاية حياته, وهذا فضل من الله ونعمة, لكن أن يقدر الله ويرسل لك مَن يهدي إليك كل ذلك, دون جهد أو مشقّة, فهذه نعمة أعلى وأفضل, فالبعض ارتحل لينهل من علم الإمام أحمد ابن حنبل, إلا أن الله “جرجره إلى عبد من عباده” ليحقق له سؤله, ويثبّت به فؤاده,  وهي حجة قائمة على من عرف, وهذا ما حدث معي.
في صباح يومٍ من أيام الربيع المشرقة, وكم من أيام بدأت ليلاء مظلمة, التقيت مع رفاق رحلتي في تباشير الصباح, كان الأمل لا يزال طازجًا, لم تعتريه آثار وعناء الأيام.
لم يتغيّر اليوم عن سابقه في شعوري به, فما زلت أرى الجميل في الحياة باهتًا, الألوان ليست على حقيقتها, والأصوات نست مكانتها, إلا أن رائحة السماء كانت غريبة بعض الشيء.
كرّاسات التلاميذ وصل دخان احتراقها لأبعد البقاع, ووصلت المذبحة للمساجد, والملاجئ والمستشفيات.
جلستُ مع رفاق رحلتي, مؤمّلاً أن تغيّر صحبتهم الزكيّة, والطبيعة النقيّة, بعضًا مما يعتري صدري من وعرات ونتوءات ليست من الطبيعة في شيء, لكنها نتيجة لعوامل تعرية, محمّلة بعناء أيام, وفراق.
مرّت أفواج الناس عليّ واحدًا تلو الآخر, أتدبر وجوههم, وأقرأ ما لم تقله شفاههم, فكل واحد منهم يحمل قصة, تختلف في أبطالها, إلا أنها قد تتوحد في موضوعاتها (الحب, الطعام, السكن, الأبناء, الزواج,…), وفي الأثناء, أثناء التأمل, ومحاولة الاسترخاء, وجدت قصة تختلف عن كل ما سبق, أبطالها في عليين, مع النبيين والصديقين, وموضوعها الشهادة.
***
كتب القدر معجزته أن أقابل هذا الرجل, رجل الفعل, وتلك اليد الشريفة التي جاهدت, وتركت الجنة وعدًا عليها أن تجمع ما ذهب منها إليها مع باقي الجسد.
بالتأكيد حين تراه ستتذكر قوله تعالى: “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا”, إذًا فهو – بإذن الله – من المنتظرين.
يالجمال كلماته حين أخبرني أنه سعيد أشد السعادة للقائي. حينها تساءلت في نفسي “ربما يجاملني برقيق كلماته, وعذوبة ألفاظه ؟”, لكن صدقه لم يوحِ إلاّ بذلك, لم يوحِ إلا بحبٍ عميقٍ لنا, مع عظيمِ تخاذل قدّمناه له, وإخوانه.
لَمْ يَسْلبنِي الاحْتِلال أبنائي, بل أنا قدّمتهم راضيةً مختارةً للشهادة، هؤلاءِ الأبناء لم يذهبوا سدى, بل عَرفوا واجبهم وقاموا بتأديتِه, واصطفاهم الله شهداء.
“هو” لم يلق شهرة كتلك التي لقيَتْها “هي”, رفيقة مجلسه, ومنبت حياته (أدام الله فضلها وبارك في عمرها), فهي قد سنّت سنّة عظيمة, سنّتها وهي تودع أبناءها شامخة على باب الشهادة, ثم انطلقت من بعدها تذود عن أبناء شعبها الأسير, تنوب عنهم وتطالب بحقوقهم, وتجاهد بالكلمة, وتظهر – وهي التي خطت الأحزان على وجهها أكثر مما خطته أعوام عمرها الستين – كجندي شاب في ريعان شبابه.
كتبت هنا يومًا, أنّ المرضَ إن كان في جسدك فربّما يمكنك احتماله, لكن إن كان في جسد حبيب فإنك لا يمكن أن تتحمله. اليوم أقول: “أنّه بالإضافة لما سبق فالمرض يكون ألمه أشد, بل قاتل أحيانًا, حين تكون أنت السبب فيه”.
شُغل الجميع بالتحليل, حتى من لا يملك أساسياته وحدوده, وبدون تناول ذلك بالمثال, يكفينا مطالعة مواقعنا ومدوناتنا العربية, وقراءة مقالات الكتاب والأعمدة, أو التطرق لأي موضوع في وسائل المواصلات, أو بين الأقارب والإخوان, سنجد أن للجميع رأي, وهذه ليست مشكلة, فأن يحلل الشخص ما يتعرض له في حياته أمر إيجابي, لكن المشكلة تكمن في أن يقضي المرء حياته كلها في التحليل, لا يفعل غيره, دائمًا ما تجده جالسًا على منصّة الحَكَم, لا يبرحها حتى إن تساقط أفراد فريقه, وانفرطوا, وتخطفتهم الطيور الجوارح.
“التفكير أمر جيد, لكن التفكير المنتج هو المطلوب” وهذا سبب همومنا, نفكّر, ثم نفكّر, ثم نفكّر, لكن.. ماذا بعد ذلك, لا عمل, نعترض في أفكارنا, ولا نقوم بفعل الاعتراض, نتخيّل أنفسنا نجاهد, ثم يأتي الجهاد من امرأةٍ ذات عقيدة مختلفة, لتقف أمام جرار الهدم الإسرائيلي تمنعه التقدم, فيدهسها !
نقول: “يجب علينا أن نذهب إلى غزة, الضفة, فلسطين, العراق, أفغانستان, الشيشان, يجب أن نساند أهلنا وإخواننا, نبذل لهم أموالنا”, ثم يذهب غالوي إليهم, منفْذًا فيهم “شريان الحياة”.
أوبعد كل هذا نفكر ؟, فيم نفكر ؟, ولمَ نفكر ؟, بعضنا كفر بالتفكير, هجرَه, ظانًّا أنّ تأخّرَنا لانسياقنا وراء عقولنا نفكّر في حلٍّ, أو ردّ, أو عمل, ونسينا أنّنا انشغلنا بتفكيرنا عن العمل.
في حياتي العادية, أجاهد نفسي لأصبر, وأبذل مجهودًا أكبر لأرضى وأنا أحيا حياة منعمٌّ فيها, ولديهم يُستشهد أبناء الرجل أو المرأة وزوجه وأبويه وإِخوانه, عائلته كلها, وعندما ينطق, أقول سيتأوّه, سيبكي ويصرُخ, سيندِب حظّه, سيدعوه بالحظ العاثر, سيقول أي شيء يعبّر به عن غضبه الهادر, ولكنه يخالف كل توقعاتي, فيقول: “استشهدوا.. الحمد لله.. إحنا صامدين“.
أفقت لأجد اللقاء قد انتهى, حرص الجميع على التقاط الصور معهم, لكني لم أحرص على ذلك, فالصورة لا تحمل إلا الأجساد, بينما المشاعر لا تحملها إلا القلوب, تبادلنا السلام, وأرقام البعاد, وانصرفوا.
انصرفوا تاركين وراءهم قلوبًا مكلومة, وأفئدةً محزونة, وعقولاً غائبةً في سكرات اللقاء, تتمنّى ألا يمرّ اليوم الذي التقت فيه العيون, وتلامست فيه الأيدي, واستنشقت فيه الصدور عبيرًا فوّاحًا, أسموه “عبير الشهادة”.
***
انصرف كلّ صاحبٍ إلى صاحبِه, واختلى كلّ حبيبٍ بحبيبِه, وبقيتُ واحدًا وحيدًا, أمارس هوايتي الصامِتة, مُطالعة وجوه الناس, أعقد المقارنات بين حالهم, وحالي, وحال من سبق ممن رحلوا, ومن هو باق.
وعند الغروب جلستُ إلى السماء أشاطرها تارةً الحزن والبكاء على ذنب زعزع أواصر البنيان, وتارة الفرح, والسعادة, والهناء, على رزق ساهم في تثبيته.
لم أستطع كبح جماح نفسي أن أكتب عن هذا اليوم الذي التقت فيه السماء بالأرض, يوم أن فتحت طاقة ضوء أنفذته إلى قلوبنا, فأشعرتني بحياتي المنسكبة دون إدراك مني, فتركتُ لنفسي عنان القلم, لتخطّ بمدادِه ما عجز اللسان عن قوله.
إلا أنّ نور اليوم الذي شع فلم يدركه غير ثلة كانت قائمة لله, وأصالة البنيان الإسلامي المحيط, واطلاع الله سبحانه على عباده, لم يمنعوا حبيبين أو مدّعيا حبٍ من الحديث بصوتٍ مرتفع, مكوّنين مع أصوات غناء تتصاعد من مكان ليس ببعيد عنهما, سيمفونية مزعجة, كذبذبة أرضية توحي بقدوم العذاب.
انتهى اليوم, جامعًا بين طيّاته مفاهيم اختَلَفَت, وحقائق زُعزِعت, وطفقتُ عائدًا إلى الحياة, لأدور معها دورتها, مستكملاً ما تركته معلقًا على عين قدرها.

على بصيرة

أثارني حوار مع بعض معارفي وأصدقائي, قدح زناد فكري, وقلب عليّ مكامني, فشعرتُ بحنين لمطالعة ما كتبته سابقًا, حيث أخبرني أحدهم أنه سعى في أمرٍ, ثم لم يفلح سعيه, ولكن يا لعجائب القدر, فقد جاء ما سعى إليه من مكانٍ آخر, وطريقٍ آخر !
وواحدة أخبرتني أن الرزق يزيد حين يصاب والدها – عائل الأسرة – بالمرض, أو تغيّبه يد الظلم, وتتعجب من ذلك !
وآخر يحكي كيف التحق بمجال عمله, وأن الله سبحانه وتعالى, كان يعلّمه منذ طفولته ما يستخدمه الآن في هذا العمل, وكيف كان يعدّه لخوضه, بالرغم من أنه لم يفكر فيه يومًا, بل إن عثراته لم تكن إلا خطوات غير مباشرة لدعمه, وإبعاده عن طرق أخرى إلى طريق فيه خيره.
لم أتعجّب مما حدث لهم, إلا أنّي تعجّبت لتعجّبهم متسائلاً: “أفلا تبصرون” ؟!
إنّه مضمون..
أمَا تدبّر الأوّل قول الله تعالى: “ويرزقه من حيث لا يحتسب” ؟, فسبحانه أمرنا بالسعي, وتكرار التجربة, لا للوصول إلى النتيجة بـ”سعينا”, لكن ليوصل (هو) إلينا النتيجة بـ”سعته”, فإعجاز ربنا أن نطرق كل ما نعرفه من أبواب, ويأتي الرزق من باب لم يخطر لنا على بال.
والثانية, لم تدرك أن الله حين غيّب السبب, وظنوا أن رزقهم سيفوتهم لغيابه, أصبح رزقهم (بينه وبينهم), يختار لهم من الأسباب ما يشاء, ويرزقهم من خيراته ما يشاء.
وآخر ينظر لحياته نظرة قاصرة, سنوات منفصلة, ومراحل متباينة, بينما الله ربه ينظر له كنبتة واحدة, يهيئ لها الظروف لتخرج إلى الكون في وقت محدد, بهيئة محددة, ميسرة لأمرٍ خلقت له, كل هذا وفق قانون إلهي مكتوب أن: “لكل نفس رزقها, وأجلها”.
وهذا ما جمعه ابن عطاء الله السكندري في إحدى حكمه, حين قال: “اجتهادك فيما ضُمن لك وتقصيرك فيما طُلب منك دليلٌ على انطماس البصيرة منك“, فرزقك مضمون, وعملك لن يقوم به غيرك, فلا ترهق نفسك بالتفكير في الرزق – مع العمل له – فهو يطلبك, بينما أنت مقصّرٌ فيما فُرِضَ عليك.
نعم.. له حكمة
قد نسعى إلى أمرٍ نريده, نتمنّاه, نحلم به, ولكنه لا يأتي. ثم نحلم, ونتألّم, وندعو الله, وتمر الأيام, فتتجاذبنا الحياة بين الانتظار والسعي, إلا أننا كمسلمين واجب علينا ألا نركن إلى الانتظار, وبناء آمال على أوهام, كما أن السعي مهمة شاقّة, وناتجه يستحق بالرغم من اختلاف الهدف منه بين ما هو لله ورسوله (صلى الله عليه وسلم), أو لدنيا.
لذا فمن الواجب علينا أن نوازن بين سعينا, ونحاول أن نوحّد وجهتنا, فنجعل سعينا كلّه لله, حتى ما يظنّه بعض الناس أنه لدنيا, فهو في قلوبنا لله, فإنّ من جعل الهموم همًا واحدًا كفاه الله همه, وأعانه.
ولكن.. بعد الموازنة, وقبلها تجديد النية, والسعي, واختيار تجارب جديدة, وتنفيذها, تظهر نتيجة التجربة الأولى.. نعم ظهرت, ولكنها ظهرت متأخرة !
ظهرت بعد فوات الأوان, بعدما وضعت الحرب أوزارها, وانفضّ الجيش, وبقيت الأشلاء متناثرة, وبقايا رماد مشتعل, وحطام.
مكاشفة

ظهرت بعد تمام السعي, واكتمال التجربة, ونفاذ القدر, ولكن.. ما أسوأ أن تقضي عمرك تركض خلف ما ضمنه الله لك, فتنشغل عنه, بما ليس لك, “فأينما سار تراءتْ لـك كما تراءى خادعًا لمع آل“.

ولكن.. هل يمكن أن تتراجع يا من آمنت بقضاء ربك, ورضيت برزقك وقدرك, لا بد أن يعود قلبك ليثبت لربه أنه راض باختياره, يعلم أن الأمر كله رزق, وأن طرقه لكل الأبواب ما هو إلا سعي للبحث عن رزقه, والله سبحانه يعلم الأصلح له, وهو قادر على أن يرزقه ما يشاء إن شاء في الزمان والمكان الذي يشاء.
أعرف أن لك حكمة فيما يحدث, حكمة قد أجهلها, لكني بداخلي يقين – أنت تعلمه – أنّي راضٍ بحكمك وقضائك, مستسلما لقدرك, فما يحدث ما هو إلاّ خير, هو خبرة وزاد يعينني على استكمال الطريق, وفق “حكمة” أنت تعلمها.

ما بعد الوداع

تخلّى صديق عن أشياء ظنّ أنّها غير ذات قيمة, أو ربما هي من تخلت عنه, بالرغم من أنه ذو قيمة, أحد هذه الأشياء صندوق. وبعد عناء وجهد واجتهاد آل إلي الصندوق بما يحتويه. قد يتعجب البعض من ذلك, لكن احتواءه على بعض ما أهديته إيّاه, وما حلمنا به, وما اجتمعنا عليه, وما كتبناه سويًا, دفعني بقوة إلى محاولة الحصول عليه بأي ثمن.

ومما وجدته في الصندوق هدايا مغلقة, وأوراق حلوى, وقطع معدنية وخشبية صغيرة, بعضها منقوش عليها اسميهما, و”رسائله إليها” التي لم يرسلها, ومدونته الورقية, و”رسائلها إليه”, تلك الرسائل التي كانا يكتباها بكل ما آتاهم خالقهم من عاطفة, أحسبها صادقة. إلا أن هدايا القدر المغلقة فاجأتهم بواحدة, كان ناتجها أن وصلني الصندوق, يحتوي فصلاً ممّا دار بينهما.

صديقي الملتزم بتعاليم ربه, لديه تضخّم في إحدى شخصياته – وكثيرٌ منّا كذلك – يظنّ أنّها (البالغة المفكرة), لكن الحقيقة وهي ما تدل عليه جميع تصرفاته أنها شخصيته (الطفولية), وهي شخصية تتسم بالحساسية المفرطة, يعيش صاحبها في فلك نظرية التمركز حول الذات, والتي تكون في مرحلة الطفولة والمراهقة, وفيها يشعر أن الأنظار تتركز عليه, وأن كل شيء يدور في فلكه هو, وأن الآخرين يهتمون بكل تصرفاته.

هي شخصية ممتعة, لا تحب الظهور أو الشهرة, أوّابة, توّابة, رغم أن غضبتها قريبة, إلا أنها حانية, كما أن عفوها أقرب, تعود ناسية, تعاني كثيرًا, وتأبى أن تحمّل الآخرين ما بها, وهذا سبب في تعاظم الألم داخلها, وسبب في اتخاذ صاحبها بعض القرارات غير الصائبة, فهو في ذلك الوقت يحتاج لأن يتخذها بشخصيته البالغة المفكرة, لا بشخصيته الطفولية. وهذا لا يمنع أنه شخصية (بالغة مفكرة), فجميعنا لدينا الشخصيات الثلاث, كما يجتهد في السيطرة على شخصية (الأبوية الناقدة), وهو متميز في أداء شخصية (الأبوية الراعية).

أما “هي”, فقد كانت كما تمّناها, وكما رآها في حلمه الصغير, وكأي حالة حب بدأت الحكاية, إلاّ أنّ نهايتها لم تكن متوقعة – بالنسبة لهما على الأقل – حيث انتهت علاقتهما برسالة, كان فيها “وما حسبتُ يوما أن تنتهي علاقتنا برسالة, أو أن يستبدلها الزمان بأخرى”*, إلا أن الرسالة التي بين أيدينا واحدة أخرى, كتبها تحت عنوان: “ما بعد الوداع”, هي في الحقيقة مسودة, يظهر عليها هوامش, وعبارات جانبية كثيرة, ولا يظهر منها هل أرسلها أم لا.

هل أطلت في التعريف به؟ لا أظن, إذ يجب فهم طبيعة المرسل, وظروف كتابته للرسالة:

“أتردد كثيرًا قبل أن أكتب لك بدءًا أو استدراكًا.. ولكن ما وصلني منك أشعرني بما أنت عليه, لذا فقد آثرت أن أترك لكلماتي العنان.. فناتجها بالتأكيد لن يزيد ما بك, أو يرغمك على تذكر ما كان بيننا.. إن كنت قد نسيته !

أسائل نفسي أحيانًا كثيرة, تُرى.. عندما أناديها, ما اللقب الذي سيسبق حروف اسمها ؟؟ هل أضع لقبًا تمنيته, أم أضع اللقب متبوعًا برتبة “سابقة” ؟؟

على كل.. فإني لم أقف عند أمر اللقب كثيرًا, فبالرغم من أن المظاهر والألقاب تُضفي على أصحابها رونقًا وبريقًا خاصًا, إلا أنها لا تظهر حقيقتهم سواءً كانت خيرةً أو سيئة.

تمامًا.. هذا هو سبب فراقنا, المظاهر والألقاب, قد يظنها البعض عدم تقدير جيد, ولكني أرى أنها اختلاف في الموازين. فالتقدير يتحد فيه الميزان ويخطئ الشخص في القيمة, لكن اختلاف الميزان يؤدي إلى تقدير مغاير تمامًا للحقيقة.

فميزان الكلام لا يمكن أن يوزن به العمل, وميزان المال لا يمكن أن يوزن به التقوى والخلق الحسن, إن أكرمكم عند الله أتقاكم.

(على هامش الرسالة كتب: “في فترة من الفترات, كنت أظن أن فراقنا سيقتلني, وبعد فراقات كثيرة, ما زلت حيّ أكتب”).

منذ افترقنا, وصلتني منك رسالات كثيرة, وبالرغم من كونها صيغت بأسلوب خبري تقريري, إلا أنها كان بها معان إنشائية عميقة, منها ما صوّر, ومنها ما مثّل, ولكن كانت أقساهم تلك التي سألت !!

حاولت كثيرًا الإجابة على تساؤلاتك, وكما عرفت عنّي فإني أحب أن أدلل على الإباحة بالعمل, وعلى السنة بالتكرار, وعلى الوجوب باللزوم حتى الممات, لكن لم أجد في أي مما تعلمته ردًا على سؤالاتك.

أما اليوم, وبعد مرور سنوات على الفراق, فإني أصبحت “أتذكرك كماضٍ, وأحن لك كعاشق”**, وها أنا ذا أثناء كتابتي لجملتي الأخيرة أتذكر مقولتك: “لا يمكن لقلبي الذي يراك كحبيب, أن ينظر لك كأخٍ أو صديق. لا يمكن للحب أن يتبدل”.

انتهت رسالته الأخيرة, التي أظن أنه لم يرسلها, ولم تعرف “هي” أنه كتبها في الأساس, إلا أنّه – وكما أعرفه – يجد في كتابته مثل هذه الرسائل راحة نفسية عميقة, وشعور بأنه قد بلّغ رسالته, رحمة الله على كليهما.

ـــــــــــــــــــــ
(*)(**) من كلمات الشاعر نزار قباني (بتصرف).

الحبّ يوجِب أُنسًا

كتاب “طوق الحمامة.. في الإِلفة.. والأُلاف” هو ردّ على رسالة من صديق لابن حزم الأندلسي, يسأله عن الحب “صفته, ومعانيه, وأسبابه, وأعراضه, وما يقع فيه وله، على سبيل الحقيقة”, جمعها في ثلاثين بابًا.

كتاب رائع.. يحرّك في قارئه شيئًا قد يغفل عنه, أو قد لا يدركه إلا بمنبه خارجي, وربما يخبره أيضًا أنه أحبَّ وعرف كل من حوله بحبه, ولم يدرك هو إلا متأخرًا, إذ يبدو أن المحب غالبًا ما يكون آخر من يعلم.

ذكَّرنِي ابن حزم بأيامِ الصّبا, ما فكرت فيه, وما تخيلته, وما قمتُ به, إلا أن علاقتي بكتابه بدأت في مرحلة مبكِّرة من العمر, حيث كتبت حينها في (مدونة ورقية) جملة اقتبستها من كتاب يُعنى بتربية الأبناء, اكتشفت بعد ذلك أنها إحدى علامات الحب التي وردت في “طوق الحمامة”, هي: “ومن علاماته أنك ترى المحب يحب أهل محبوبه وقرابته وخاصته، حتى يكونوا أحظى لديه من أهله ونفسه ومن جميع خاصّته”, وقد علقت هذه العلامة في فكري وقلبي منذ ذلك الحين.

وقد طُلب مني يومًا أن أكتب عن الحب, وفي كل مرة أحاول لا تكتمل المحاولة, حتّى أنّي جمعت عناصر لسنوات, على أمل جمعها في كتاب عن “الحب”, دون جدوى.

ولكن “المكتوب” دائمًا ما يُلِحّ على صاحبه حتى يُظهرَه, كما الحبّ يُلح على صاحبه.. حتى يَظهر دون أن يُدرك.

“الحبّ” حالة لها علامات, يميّزها عن غيرها أنها تكون سببًا لتنامي تلك الحالة, وزيادة الألفة والتقارب بين أطرافها, ومن تلك العلامات أن يتلهف المحب للقاء محبوبه, وعندما يلقاه فإن حبّه لا يهدأ، فالحبّ الذي يهدأ بالوصل ليس بحبّ, لا يطمئنه وجوده بجانبه, فشوقه إليه أكبر من أن تحتويه جدران بناء.

الحبُّ وهو فعل قلبي لا يُرى مكانه, لكن تظهر أعراضه على من يحب, هذه الأعراض باتت تُعرف بأنها “علامات الحب”, وهي ما أفرد له ابن حزم بابًا في كتابه, كما تناول العديد منها الشعراء, كتب الشاعر:

لي في محبتكم شهود أربع ** وشهود كل قضية اثنان

خفقان قلبي واضطراب مشاعري ** ونحول جسمي وانعقاد لساني

ظهرت الكثير من العلامات التي يعرفها العامة على وجه وجسد المُحبّ, و”على عادة الكثير من البشر, يدركون السبب ويعالجون سببًا آخر”, لذا فقد أدرك من حوله حاجته لـ (طبيب!), اجتمعوا, تشاوروا, ثم جيء بالطبيب.

نطق المحب زفرات كتبها الشاعر كلمات:

جس الطبيب يدي جهلا فقلت له ** إن التألم في قلبي فخل يدي

وفي غمرة انشغال الطبيب بمداواته, وانشغال الناس بأحوالهم كان المحب يتذكر محبوبه, وهو مطلوب منه أن يكون مثلهم, فأطرق برأسه إلى السماء, ثم دعا له, أرسل له عبر أثير الحب يخبره أنه يفتقده.. (أقسم لي أحدهم أنه كان يصل إلى محبوبه ما أراد أن يخبره به).

قلّبه الطبيب باحثًا عن موطن الداء, فلم يجد غير قلب نابض, وجسد هامد..

تجدُ المحبَّ لا يهدأ له بال, ولا يصيبه الوسن, إن لم ينظر إلى محبوبه, إن لم يكلّمه, أو يسمع صوته.. إن لم يطمئن عليه.

تراه صامتًا لا يتكلم, حزينًا, إن علم أنّ به مكروهًا, أو همّ, أو غمّ, أو حزن. حزين وهو معه, حزين عليه, حزين وهو بعيد عنه, لحزنه, وهمه, ولبعده عنه.

إن سمعتَ كلامه عنه, كأنه كلام حب وشوق, وإن لم يكن المقصود به حب. فهو يثني عليه في سلامه, ويهدهده في رجائه، يتحدث عنه بالخير, لا يذكر فيه غيره, يبتسم وهو يتحدث عنه, يتحدث عنه بحماسة, وانبهار.

وفي هذا قيل:

لقد ثبتت في القلب منك محبة ** كما ثبتت في الراحتين الأصابع

في عتابه معه, فإنه لا يصفح عنه, لأنه لا يغضب منه, يسامحه, لا يثقِل عليه, بل لا ينتظر اعتذارَه, ويبرِّر ذلك:

وما لي لا أثني عليك وطالما ** وفيتُ بعهدي والوفاء قليل

وأوعدتني حتى إذا ما ملكتني ** صفحت وصفح المالكين جميل

لا يطمئنُّ ببعدِه, ولا يهنأ إلا بقربه, كان تاركًا للدنيا جميعًا, متعلقًا فيه, ممسكًا به, يخشى زواله، تراه منجزًا ما وعد, حافظًا لما عهد, ممسكًا لما قطع.

إن المحب إذا أحب حبيبه ** صدق الصفاء وأنجز الموعدا

يثق به ثقةً لا حدود لها, ثقة لا تحكمها إلا طاقته البشرية المحدودة, يتفهمه بكل ما تحمله الكلمة من معنًى, مقتنع به كل الاقتناع, ومقتنع ومتفهم لكل أحواله, دافعًا له إلى الخير، (وهذا ما أدام حسن العشرة بين النبي عليه الصلاة والسلام وأمنا خديجة, حيث تفهمت طبيعة مهمته, ووثقت فيه ومبدئه).

ينطق قلب المحب بما يقوله لسانه, ولا يخالف قلبه معتقد دينه, وفي هذا يقول الشاعر:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ** جُعل اللسان على الفؤاد دليلًا

يغار عليه من عامة الناس وخاصته, حتى أن بعضهم تجاوز ذلك إلى الغيرة على محبوبه من نفسه:

أغار عليك من عينَي رقيب ** ومنك ومن زمانك والمكان

ولو أني خبأتك في عيونـي ** إلى يوم القيامة ما كفانـي

يخشى المحب أن يطّلِع غيره على محبوبه, يتمنى ألا يراه في الدنيا سواه, حتى أن أحدهم مثّلت له غيرته ما قد يحدث إن أرسل رسالة لمحبوبه عبر رسول:

ما لنا كلنا جَوٍ يا رسول ** أنا أهوى وقلبك المتبول

كلما عاد من بعثتُ إليها ** غار مني وخان فيما يقول

وبعدُ.. أيها المُحبّ, فإنه إن لم يتحقق هذا, أو كان ثم أصبح غير ما كان, فإن ذلك ليس بحب, فلو صدق حبه لصدقت جوارحُه, فكما أن “الحب يوجب شوقًا والشوق يوجب أُنسًا”, فإن “من فقد الشوق والأنس, فليس بمحب”.

مَن تَبَقّى ؟!

“كان يطير بأعجوبة !!, بالرغم من عدم نمو أي أجنحة في ظهره, كما أنه لا يمتلك العباءة السحرية التي يطير بها باتمان, أو مكنسة الساحرة سونيا, أو بساط علاء الدين السحري, ولا المحرك النفّاث في جسد غراندايزر.

كان يطير بكل حربة, يقفز من مكان لآخر, ينظر للناس من السماء, يتمنى أن يخبرهم أنه يستطيع الطيران كما كان يحلم, ثم …”

“محمد.. محمد”..

يفتح عينيه متثاقلاً, يقضب جبينه, يقول “ها.. كم الساعة ؟”

“الساعة السادسة” ..

“في كل مرة أستيقظ في نفس التوقيت, دون أن يكتمل!” هكذا حدّث نفسه أثناء قيامه من سريره.

صلّى الصبح, وتناول إفطاره, ثم بدّل ملابسه, وحمل حقيبة الكتب, وبداخلها ثمان حصص, ووجبة الغداء, ثم نظر بعينيه متثاقلاً للحقيبة الأخرى, فحملها, وانطلق إلى المدرسة.

كان يضايقه الثوب الأبيض في الحركة, كما كان يتعجب من إجباره على لبسه كزيّ رسميّ في المدرسة, نعم هو يحبه لكن ليس لدرجة أن يلبسه لما يقرب من عشر سنوات بصورة يومية. وهو ما جعله لا يلبس أي ثوب, سواء كان أبيضًا أو غير ذلك إلا بعد حوالي عشر سنوات من عودته (للوطن!!).

في طابور الصباح, كان الطلبة يقفون على أرقامهم في الكشف, فقد كانت أرقامهم في الكشوف مطبوعة على أرض الطابور, وكل منهم يقف على رقمه.. ورائد الفصل يقف أمامهم بوجهه.. ثم تبدأ تمارين الصباح “واحد.. اثنان”, “يمين.. شمال”, “فوق.. تحت”, وهكذا, فإما أن ينفضوا عن أنفسهم النوم, ويجددوا نشاطهم, أو يساعدهم المدرس على ذلك !!

غالبًا ما كان يبدأ اليوم الذي يحتوي على حصص تربية رياضية بها, وأحيانا تكون حصة الرياضة بعد “الفسحة”, أو آخر حصة, حسب الطقس, وجدول الدراسة.

كان من أثقل الأيام التي أذهب فيها إلى المدرسة, ذلك اليوم الذي أحمل فيه حقيبة أخرى بها ملابس رياضية, بالتأكيد لأن حصتها كانت من أثقل الحصص.

بالرغم من وجود ملعب كرة طائرة, وآخر لكرة السلة, وثالث للقدم, إلا أن الملعب الأخير كان الوحيد المشغول دائمًا, وغيره من الملاعب لا يقترب منها أحدًا, إلا نادرًا.

لم أحب كرة القدم منذ طفولتي الأولى, لكن مع انتقالنا للحياة في المملكة, وشغف, بل جنون البعض بلعبها, لم أجد غيرها, لذا فأحيانًا كنت أشاركهم اللعب.. مضطرًا.

لبس العوينات الطبية (النظارة) يساعد على الرؤية, لكنه يساعد الآخرين على السخرية منك, خاصة إذا كنت طفلاً مغتربًا, وإطار نظارتك بلاستيكيًا سميكًا, فوقتها لم تكن النظارات ذات الشكل الإنسيابي قد وصلت (كوكبنا).

كان الفصل الدراسي يحتوي غالبًا على عشرين إلى ثلاث وعشرين طالبًا, وفي حصة الرياضة كنّا نُقَسّم إلى ثلاث فرق, يقترعوا, تلعب فرقتان, ثم تلاعب الفائزةُ منهما الأخرى.

أثناء تقسيم الفريق, كان يختار مدرّس التربية الرياضية ثلاث رؤساء للفِرَق “الكابتن”, وبدورهم يختار كل واحدٍ منهم لاعبي فريقه بالتوالي, لاعب لكل “كابتن” في كل مرّة.

“أضمّ إلى فريقي أحمد” هذا صوت “كابتن” الفريق الأول وهو يشير إلى أحد زملائي صاحب الميول الكرويّة, والقدم الذهبيّة, يتبعه الثاني, فالثالث, ويبدأ الصف الذي أقف فيه بالتناقص, وفي المقابل تزداد الصفوف خلف رؤساء الفِرَق.

وحينها نظر المعلم للصفوف متسائلاً: “مَن تَبَقّى ؟”

فيقول الجميع بصوتٍ واحدٍ: “محمد”.

الشَرنَقَة..

ظلامٌ دامس.. ضيقٌ خانق.. الأصوات تأتي خافتةٌ مكتومة.. انتهت آخر شعلة ضوء منذ وقت طويل , لم يكن يعرف أنّه سيظل كل هذا الوقت في الداخل..

نظر حوله, تشابهت الطرق التي لا يراها, حاول أن يقول شيء.. لكن لا شيء, فهو لم يتكلم منذ ولادته, ولا يعرف معنى الكلام .. ولكنّه يفكّر.

فكّر فيما آل إليه حاله , تُرى هل اتخذ القرار الصحيح حين قرر أن يدخل , ولم دخل في الأساس , للفضول أم للبحث عن .. عن .. عن “شيءٍ” ما.. ؟؟!!

تذكر اللحظات التي شعر فيها أن داخله يهرب منه – سيعرف بعد ذلك أنّه القلب – كلحظة سقوط , أو لحظة غرق نجا منهما , وظل حيًا بعدها , وها هو ذا قد هداه تفكيره إلى أن يغامر ويدخل.

تذكّر كل هذا , حكّ رأسه وقال: “لا بد أنّ هناك من يساعدني , هناك من يراني ولا أراه , هناك من يشعر بي , هناك من هو مطـّلع عليّ , هناك من يسمعني .. إذْ كيف يحدث لي كل هذا ؟؟!!

كيف أسقط مرّة من على الجبل ولا يحدث لي كما حدث للنمر القوي الذي سقط من عليه ولم يتحرك بعدها , وكيف هُدي هذا الحمَل للمشي بعد أن كانت قدماه لا تحملانه , من أخبره أن هذه الأربع إنّما جُعلت للمشي , وما أدراه أن هذا الضرع المنتفخ إنّما فيه غذاؤه .. أمرٌ غريبٌ حقا !! ..”.

انتبه فجأة متعجّبًا .. كلما حاول أن يستخلص أمرًا, أو يحسب رقمًا, أو يوازن, أو يقدّر, أو يحل معضلة.. حكَّ رأسَه, تُرى أفي الحكّة الإجابة ؟؟!!

استسلم لفكرته مرةً أخرى.. “نعم أشعرُ بك .. أنت تسمعني .. أنت تراني .. أنت مطلعٌ علي .. أنت تساعدني وتهديني , تعرف أنّي ضللت طريق العودة , تعرف أنّي جئت لأكتشف الحياة , تعرف أن وسائلي وعيداني التي كنت أستعين بها على الطريق قد انقضت , ولكن .. أنت أنت .. أنت من أخرجتني من كل ما سبق .. وستخرجني من هنا”.

شعر بنسمة هواء تلفح وجهه , فاستدار لها , عرف أنّ هناك طريقًا لمخرج هواء ولهُ , فالهواء إنما يندفع نحو المخرج , كأنما تحمله يد خفية تعرف الطريق .. ترفعه إلى السماء دائمًا.

شعر بأنّه قريب .. تأكد أنّ “من” يشعر به .. ويراه: إنّما يساعده ..
ابتسم , وقام يتحسس الطريق.

خطوة قدم .. وقبضة يد , وضخة قلب , وشعور بـ “آخرٍ” يحميه , جعلوه يضغط الظلام ضغطًا من حوله , يتحداه , يقهره , يمشي فيه مهتديًا طريقه , كأن بداخله سراجًا يضيء له , أو حارسًا يتحسس له , أو دليلاً يمسك يده.

ولكن.. فجأة..
ضاعت النسمة , واضطربت الاتجاهات , فلم يعد يعرف أين الهواء , ولم يعد يعرف اتجاهه , أيضًا .. فهو لم يصل للمخرج.

ثقلت قدماه , فارتمى بجسده أرضًا , ظل محملقًا في لا شيء , اللهم إلا من بعض الصور العابرة التي يراها تمرّ أمام عينيه , كأنها تحدث اللحظة , وكل صورة تخبره أن “أحدًا” كان معه طوال الوقت , فهو لم يكن وحيدًا كما كان يعتقد , ظلّ على حاله طويلا , ثم نام.

مرّ وقتٌ .. لا يعرف مقداره إلا “هـُو” .. رأى شعاعَ نورٍ , تمنّى ألا يكون مَثَلُه كمَثَلِ الصور التي يراها في نومه وعند استيقاظِهِ لا يجد شيئًا منها , ولكنّه سمع – كما يسمع دائمًا – صوتًا عميقًا يأتي من مكان ما, تلفّت .. ربّما من هنا , أو من هنا , ولكنه شعر أنه يأتي من كل مكان حتى نفسه .. سمعه يقول: “كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ” .. فصدّق وقام..

في دعاء ختم القرآن: للبيت رب يحميه

دعا الإمام دعاء الختم الليلة.. بدأ بحمد الله والثناء عليه, ثم صلى على النبي محمد صلى الله عليه وسلم, ثم دعا..

مشاعر غريبة تجتاحني أثناء دعائه, أرّقتني في خشوعي, وشغلت تفكيري, فأصبح هو يدعو, وعقلي يصارع فكرة تسيطر عليه..

غالبتها مرارا وتكرارا, ولكن بلا طائل, فالفكرة تملكتني, وأصبح دعاؤه يزيدها لهيبا واشتعالا, وهكذا طوال الدعاء, أصارعها, فأصرعها, وتصارعني, فتصرعني..

وجدت الإمام والمأمومين, قد شاركوا في أكبر عملية إفراغ شحنات عرفتها وشاهدتها !!, عملية تشعرك بأنك قدمت الكثير, وبذلت ما في وسعك, بينما أنت لم تقدم إلا أنك دعوت.. ثم انصرفت !!.

نعم.. دعا الإمام, ودعا المأمومون خلفه, ابتهل, وابتهلوا, بكى, وبكوا, صرخ, وصرخوا, ختم, وختموا..

الدعاء في مجمله رائع, طيب, لا يمكن أن نقول عنه إلا أنه جمع من الخير الكثير, فبعد أن قدم الإمام للدعاء بالحمد والثناء والدعاء, دعا بالمغفرة والرحمة وسعة الرزق, وتيسير الحياة, واستعان بالله على الحياة, ودعا الله تخفيض الأسعار… ثم دعا للمسلمين بعمومهم, وللمسلمين المستضعفين, في فلسطين أولا, وفي الشيشان, والصومال, والسودان, ودعا أن يفك الله أسراهم… ثم دعا للحكام بأن يصلحهم الله, ويصلح حاشيتهم, ويستبدلها بحاشية أفضل, تسعى إلى الخير… ودعى الله سكنى الجنة, والفردوس الأعلى, ورؤية وجهه الكريم.. بالإضافة إلى الكثير من الأدعية..

ما أرقني وشغلني, هو انسجام الناس من حولي في الدعاء, وتأثرهم به, وعدم تطابق حالهم, ودعائهم مع فعلهم قبل وبعد ذلك !!

تناقض غريب بين موقفهم وبكائهم لله أن يغفر لهم الذنوب, وموقفهم من الفن الهابط, ومشاهدتهم وسماعهم له, وأكلهم الربا, وظلمهم الوارثين, وعقوقهم الوالدين, وعدم تربيتهم أولادهم, وغيره !!

دعاؤهم أن ينصر الله ويعز المسلمين دعاء طيب, ولكن ماذا قدموا بجوار الدعاء ؟؟!! فهم لم يشغلوا بالعمل لقضايا المسلمين, الأدهى والأمر أنهم دعوا الله أن يغفر لهم تقصيرهم.. ما أعرفه أن التقصير يكون مع بذل الجهد, ولكن من لم يبذل الجهد لم يدعو الله أن يغفر له تقصيره ؟؟!!..

أما عندما دعوا بأن يصلح الله الحكام, ويستبدل الفاسد منهم, ويغير بطانتهم, فقد كدت أصاب بنوبة, إذ كيف يجرؤون على الدعاء بأن يغير الله لهم الحكام, ويصلحهم… وكثير منهم يخشى قول كلمة الحق, وبعضهم متخاذل سلبي في حياته, لا يجرؤ على الحديث عن الحكومة فضلا عن أن يحاسبها.

أما طعم المرارة فإنك بالتأكيد ستسشعره إن كان الإمام يدعو أن يفك الله قيد أسرى المسلمين, ولك أسير لا يزال في محبسه, مرارة بالتأكيد لا حدود لها, فهؤلاء القوم, شاركوا بسلبيتهم المعهودة, وانطوائهم وجهلهم, في عملية الاعتقال..

ما رأيته هو إيمان عميق من الناس بأن الله موجود, نعم.. ولكن في المسجد, فالمساجد قد امتلأت, واللحى ابتلت, ولكن لم أجد الله في أفعالهم خارجه..

وجدت لسان حالهم يقول: “أنا رب هذه, أما البيت فله رب يحميه” حتى ما قالوا أنهم أربابه مسئولون عنه, فإنهم لم يكونوا على قدر هذه المسئولية.. فقصروا في بعضها, وتخاذلوا في الأخرى, وهاجموا الناصحين في الباقي..

بكت قلوبهم راجين الله أن يتقبل منهم, وبكيت أنا على حالهم, وعلى حالي, فأنا منهم, وهم مني.. غفر الله لي ولهم..

سحابة..

منذ فترة طويلة, مرّ على كثير من المدونات ما يسمى بـ “إكسير التفاؤل“, وفيه كان المدون يحاول أن يكتب عن أشياء في حياته تدعوه للتفاؤل, ومما كتبه البعض أنّ: “وجود خمس تدوينات في صندوق المسودات في المدونة.. سبب للتفاؤل”.

أتفق مع من ذكر هذا.. فالأفكار قد تأتي مسرعة, متتابعة, وتذهب كذلك مسرعة, ولكن جملة واحدة. لذا فتدوينها في “المسودات” أفضل من عدمه, حتى وإلم تجد فائدة من نشرها بعد ذلك, فتحذفها وأنت مطمئن.

إلاّ أني.. أجد في صندوق مسوداتي الكثير من التدوينات التي تحتاج لضغطة زر حتى تجد طريقها إلى النشر, ولا أجد داعيًا, أو دافعًا لذلك.

ربما لا يرتبط الدافع بقيمة ما كتبتُه, أو ما أرجوه منه, ولكن الدافع هو ذلك المحرك للحياة, أو الحرارة التي تتحول بفعل “القلب والعقل” إلى طاقة حركية تجعلني أضغط زر النشر.

يدخل عليّ رمضان في ظل حالة نفسية وعملية غير مستقرة, كذلك حال الأمة غير مستقر, تمتد هذه الحالة منذ شهور, هي في عمري طويلة, ولكن في عمر الأمة قصيرة, فما أطول السنة في عمرنا وأقصرها في عمرها, وهذه في نفسها مدعاة للتفاؤل, فلربما ما نراه نحن انكسار دام طويلاً مجرد “عثرة” ستقوم منها, كذلك أنا.

على الرغم من أني كتبت في مسوداتي عن “موانع الكتابة”, إلا أني أثناء كتابتي التدوينة الحالية نازعتني نفسي على مسحها, وعدم إكمالها, تمامًا كما تنازعني لإبعادي عن نقاط حياتي الحرجة, التي يجب علي التواجد فيها.. إلا أن هناك مالم أذكره في تدوينتي المحفوظة, وهو شعوري بأني أكتب في لون من ألوان الكتابة, يرى البعض أحيانًا فيه بعض التكلف, أو خروج عن المعنى..

تكره نفسي شعور “الانتظار”, فهو مملٌ, كئيب. الأسوأ أن يكون هذا الشعور مقترنًا بشعور “الوحدة”. لذلك فإني أحاول أن أصطحب معي كتابًا يؤنس وحدتي, ويذهب عناء “الانتظار”, وهذا ما يجعلني موضع سخرية أحيانًا, إذ كيف أحمل معي كتابًا إلى البحر, أو الحديقة, أو العمل.

إلا أنّي في غمرة انشغالي بمحاولة الوصول إلى ما أريده في عملي, أو ما أسعى إلى تعلمه, وما أجهل أحيانًا كيفية الوصول إليه, أتطلع دائمًا إلى الاستقرار.. ولكن أعود لاكتشاف ما اكتشفته مئات المرات, أن “الحياة دار كدٍ وتعب.. ليست دار استقرار حتى وإن بدا ذلك”.

كل عام وأنتم بخير.. :)

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.